Bookmark and Share

الطعام و الحالة المزاجية (2): قصة الإجهاد


إن إحدى وسائل وصف كيفية تعايش الإنسان مع الضغوط هي قصة معروفة عن الإجهاد تعرف "بمتلازمة التكَيُّف العام" التي كتبها في الأصل البروفيسور هانز سيلي Hans Selye في الخمسينات. وتتألف هذه القصة من أربعة فصول رئيسية تأخذك في دائرة تكاد تكون تامة، لتعيدك إلى نقطة البداية ولكن ليس تماماً، كما سوف ترى.

الفصل الأول: أجراس الخطر

 تبدأ قصة الضغط أو الأجهاد عندما يواجه الجسم أولاً شيئاً ضاغطاً عليه، وربما يصبح هذا الضغط أي شئ ولكننا سوف نعتبره الطعام والشراب. تَذَكَر أول فنجان من القهوة المركزة أو طبق من الكعك بالكريمة؟ إن جسمك يعرف ما هو الأفضل له وما هو الضار، وإذا استمعت له فسوف يخبرك حين تبدأ أجراس الإنذار في جسمك بالدق، فقد تزداد ضربات قلبك عن المعتاد، أو تشعر بصداع أو غثيان. إنها بداية محزنة للقصة ويجب أن تستحوذ على انتباهك ولكن ما لم يكن للطعام أو الشراب أثر غير مريح على وجه التحديد، قد تصبح هذه الأعراض غير كافية كي تمنعك من الاستمرار في تناول المزيد خاصة إذا ما أعجبك المذاق.

الفصل الثاني: كل ما نعرف عن التكَيُّف

كما رأينا من قبل في مثال البانيو، يستطيع معظم الناس التعايش مع مقدار معين من الضغوط لمدى معين من الوقت دون أية صعوبة، ولذلك فما يحدث بعد ذلك قد يدهشك على الرغم من استمرار تناولك لهذا النوع من الطعام أو الشراب الذي قد جاء بمثابة صدمة أولية لنظام جسمك، فسوف تلاحظ اختفاء الأعراض المتعبة التي شعرت بها. يرجع ذلك لتمتع الجسم بصحة جيدة ويصبح الجسم قادراً على التكَيُّف مع الكحول أوالكافيين أو النيكوتين أو الكعك بالكريمة أو أي من الأنواع التي لم يرضى عنها بداية، وبذلك يختفي جرس الإنذار الذي أطلقه الجسم أولاً عندما تعرض للعامل الضاغط لأول مرة، وأصبح كل شئ هادئاً ظاهرياً على الأقل لفترة من الوقت .

الفصل الثالث: الإنهاك

على الرغم من أن الأمور تجري بسلاسة على السطح إلا أن وراء الكواليس تجرى كثير من عمليات التَكَيُّف. وهذا يحتاج إلى طاقة تبدأ حتمياً في التناقص والانخفاض، كما تدل الأصوات المزعجة المنبعثة من السيارة على حدوث مشكلة أكبر على الطريق. تصدر أجسادنا علامات إنذار مبكرة توضح أن الجسم قد بدأت قدرته على التكيف مع ضغوط الحياة تنضب، ويصبح الشعور بانخفاض النشاط والحماس وسوء الحالة المزاجية. هذه جميعها علامات على أن معدلات طاقة الجسم آخذة في النقصان، ثم يلي ذلك الشعور بالآلام والأوجاع البدنية، ثم الكحة ونزلات البرد، والانتفاخ، والإمساك، والصداع، وغيرها من الأعراض التي نعتبرها جزءاً طبيعياً من الحياة الحديثة: لقد بدأ البانيو في الفيضان.

الآن، السؤال الذي يحتاج إلى تفكير هو: هل سوف تأخذ مسكن آخر للألم وتستمر في السير ميلا آخر؟ أم تتريث قليلاً أو تتوقف على جانب الطريق كي ترى إن كان يمكنك حل المشكلة قبل أن تزداد سوءاً؟ إذا اخترت أن تتجاهل ضوء الإنذار الذي يخبرك بنقصان الوقود في سيارتك، فسوف تتوقف سيارتك عن السير إن عاجلاً أو آجلاً. إن أجساد البشر مثل السيارة التي ينفد منها الوقود. عندما يصل الجسد إلى مرحلة الإنهاك ولا يصبح أمامك خيار سوى التوقف لحين الشفاء واستعادة الطاقة المهدرة في هذا التكَيُّف.

الفصل الرابع: الشفاء

عندما يُرغَم الإنسان في النهاية على ملازمة فراش المرض لا يصبح لديه شهية لتناول الطعام أو الشراب الذي أسهم في إصابته بالمرض، وهذه دلالة جيدة، لأن مفتاح الشفاء في تجنب (أو على الأقل الإقلال من) عوامل الضغط الرئيسية طوال المدة التي يحتاج إليها الجسم كي يستعيد توازنه ثانية. بالطبع، لو كان الإنسان حساساً وعاقلاً واستشعر علامات الإنذار المبكر، لكان تَجَنَّبَ الرقود في فراش المرض، وربما أصبح قادراً على مواصلة المسيرة عن طريق التخلص من الضغوط التي يعرفها في نظامه الغذائي واقتصر تناولها بين الحين والآخر، فالإنسان ينجح في الاحتفاظ بقدرته على التكيف مع الضغط من خلال القيام ببعض التغيرات أولاً بأول وهكذا يستطيع أن يتحكم بنجاح في إجمالي "الحمل".  

الفصل الأخير: دائرة تامة؟

إن التخلص من (أو حتى الإقلال من) بعض أنواع الطعام الذي يُعَرِضْ الصحة للخطر لفترة (واستبدالها بأنواع أخرى أقل ضرراً) يقلل من إجمالي الحمل أو الضغوط، وهكذا تشعر بأنك أفضل كثيراًً. ومع اكتساب الخبرة في كيفية السحب من احتياطي "التَكَيُّف" لديك، تصبح على درجة كبيرة من الوعي بالآثار السلبية التي قد تسببها كميات كبيرة من بعض أنواع الطعام أو الشراب، وبذلك تكتمل الدائرة وتدرك أثر الطعام فيما تشعر به. 

الخاتمة:

بالطبع، لا يرجع المرء إلى نقطة البداية تماماً لأنه الآن يعرف ما الذي سوف يحدث له إذا أفرط في التدخين أو في تناول الكافيين أو الكعك بالكريمة (أو أي من أنواع السموم التي تؤثر فيه) ونأمل في أن تقاوم إغراء الإفراط في تناول هذه الأنواع وبالتالي الضغط على الجسم حتى تصل إلى مرحلة الإجهاد والإنهاك، فهذه المرة سوف تستطيع معالجة الأمور بصورة مختلفة.

وهنا أذكر حديث حبيبنا محمد عليه الصلاة والسلام: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"
                         

د. يوسف  البدر

 
 
Bookmark and Share