Bookmark and Share

تحقيق التوازن في الشهية في تناول الطعام


" إذا كان موجوداً في الخزانة فيتوجب عليّ أكله"
" لم أستطيع التوقف عن الأكل حتى التهمت النصيب الأكبر "
" لقد استحوذ على تفكيري طوال اليوم ، وفي طريق عودتي للمنزل اضطرت للذهاب خصيصاً لشرائه وكأنه يناديني"


هكذا نجد أن بعض أنواع الطعام يصعب، بل يستحيل، مقاومتها أو مقاومة الإلحاح على تناولها سواء كانت هذه الرغبة في تناول عبوة من البسكويت أو قطع من الخبز أو شرائح من الجبن. يبدو أحيانا أنه لا يمكن إسكات هذه الرغبة الشديدة لتناول نـوع معين من أنواع الطعام سوى بإشباع هذه الرغبة.

تبدو أحياناً الحاجة لتناول الطعام أو الشراب أكثر من مجرد رغبة في إشباع الجوع أو العطش.

حبذا لو أمكن ألا نأكل إلا عند الشعور بالجوع وألا نشرب إلا عند الشعور بالعطش، ونسيان الطعام خارج هذه الأوقات. و لكن لسوء الحظ، ليست العلاقة مع الطعام بتلك الصورة المباشرة فأحيانا تبدو الحاجة لتناول الطعام أو الشراب أكثر من مجرد رغبة لإشباع الجوع أو العطش. فعندما لا تستطيع إسكات الرغبة في تناول نوع معين من

الطعام تشعر وكأن الطعام هو المتحكم في أفكارك أو أفعالك.

تكمن المهارة في اكتشاف ما تقوله لنا تلك الرغبات في تناول الطعام.

إن ما نحتاج أكله كي نظل أصحاء يحدد وفق الصفات الوراثية والتكوين الشخصي الفريد لكل منا ووظيفته – أي الطريقة التي تتشكل بها أجسامنا وتؤدي ووظائفها. كما تؤثر الأفكار والمشاعر فيما نأكله وكيف نعتاد التصرف في بعض المواقف. فإذا حدث خلل في هذه العوامل قد تصبح الرغبة في تناول الطعام مشكلة. توجد عادة أسباب وجيهة تبرر الرغبة في تناول نوع من أنواع الطعام. قد تكون هي وسيلة الجسم للحفاظ أو لاستعادة توازنه. وتكمن المهارة في اكتشاف ما تقوله لنا هذه الرغبات.

تشتمل هذه الدراسة على بعض الأفكار التي تساعد على فهم هذه الرغبات في تناول الطعام وكيفية التعامل معها. وسوف أعرض معلومات توضح كيف أن زيادة معدلات بعض الكيماويات في المخ، والتي قد تحدث نتيجة لتناول بعض أنواع الطعام، ترضي بالفعل مراكز الشعور بالمتعة في المخ وتستطيع كيمياء المخ أن تقوي عاداتنا الغذائية وبذلك يصبح من المحتمل أن نواصل أكل نوع معين من الطعام. كما نعاود طرح فكرة المشروبات والأطعمة المسببة للإدمان ونوضح أن الإنسان بمجرد أن يعتاد على تناول شيء فإنه يشعر بالتعب إذا توقف عن تناوله. و سوف نتطرق هنا إلى الرغبات في تناول أصناف من الطعام كعرض لنوع ما من عدم التوازن وكحالة غير صحية يجب على الجسم أن يعالجها.

الاحتياجات الغذائية:

قد تصبح الرغبة في تناول نوع من أنواع الطعام، حاجة حقيقية للجسم كي يحصل على أحد العناصر الغذائية مثل الفيتامينات أو الأملاح المعدنية أو الدهون الضرورية.

تشعر السيدة الحامل، على سبيل المثال، برغبة قوية في الجمع بين أنواع غريبة من الطعام أو أحيانا برغبة في تناول مواد لا تصلح للأكل مثل التراب أو الطباشير وتعرف هذه الرغبة في تناول عناصر لا تصلح للأكل ب"الوحّم " أو   " Pica " والتي تظهر أيضاً " في بعض حالات الاعتلال الذهني". تحدث (البيكا) أو الوحم للأشياء غير الطبيعية في بعض حالات الضعف الغذائي وهي محاولة الجسم لعلاج المعدلات المنخفضة من العناصر الغذائية.

تشعر كثير من السيدات برغبة عارمة في تناول الشكولاته في فترة معينة من الدورة الشهرية (في الفترة السابقة مباشرة للدورة)، ويشير هذا إلى احتياج عضوي لعدة عناصر غذائية معينة توجد بالفعل في الشكولاته، ويزداد هذا الاحتياج في وقت الطمث. مثلاً، الشكولاته مصدر جيد للحديد وهذا المعدن مكون حيوي للدم كما يحتاج الجسم إلى الماغنسيوم، الذي تزيد نسبته في الشكولاته الداكنة بصفة خاصة، (من بين عناصر أخرى) لانقباض وانبساط العضلات. وهكذا تصبح الرغبة في تناول الشكولاته في هذه الفترة هي محاولة الجسم لإشباع حاجة متزايدة لهذه العناصر الغذائية بالطريقة التي يعرفها.

إن الرغبة في تناول السكريات أو النشويات مثل الحلوى والبسكويت والخبز والعجائن قد تصبح دلالة على حاجة ملحة للحصول على طاقة سريعة أو لرفع معدلات مادة السيروتونين الكيميائية بالمخ.

تصف لنا دراسة لحالة امرأة تعاني من الرغبة الملحة في تناول الشوكولاته، في هذا الفصل، كيف أصبحت "سارة" قادرة على التحكم في إدمانها للشوكولاته ( الذي دفعها لتناول ما يقرب من 6 قطع من الشوكولاته كل يوم) .

لقد تم قهر هذه الرغبة عن طريق تناول مشكلة إدمان تناول الشوكولاته من زاوية التأكد من حصول الجسم على إمداد ثابت من الطاقة وأصبحت سارة قادرة على مقاومة إغراء الشوكولاته عن طريق التحكم بنجاح في تسوية معدلات ارتفاع وانخفاض السكر في الدم. وسوف نقدم لاحقا تفاصيل كاملة عن الأساليب التي اتبعتها سارة بنجاح تام، ويمكنك كذلك معرفة المزيد من المعلومات عن السيترونين.

تحليل الرغبة في تناول الشيكولاته :

لقد حاول الناس تفسير سر قوة الشوكولاته ربما منذ عرفها الإنسان واستمتع بمذاقها والإجابة هي خليط من العوامل البدنية والعوامل النفسية وفيما يلي بعض التفسيرات الغذائية للرغبة في تناول قطعة شوكولاته بالحليب.
المكونات لماذا نشعر بالرغبة في تناولها:

الكاكو:

  • يحتوي على زنتاين المثيل الذي يحتوي على الثيوبرومين والكافيين اللذان لهما أثر منبهه على الجهاز العصبي المركزي.
  • يحتوي على الفينيل ثلامين الذي يرفع من معدلات الإندورفينز المسؤول عن الشعور بالمتعة في المخ.
  • يحتوى على الحديد اللازم لتكوين الدم.
  • يحتوي على الماغنسيوم اللازم للجهاز العصبي وانقباض وانبساط العضلات.
  • يحتوي على الدهون التي تكسب الشوكولاته الطعم اللذيذ.
  • تعتبر الدهون طعاماً "مرغوباً" بدرجة كبيرة نظراً للطاقة التي تمنحها للجسم عند الشعور بالجوع.

الحليب:
يمكن أن تؤدي الحساسية للحليب لظهور الرغبة في تناولها.

  • يحتوي على التربيوتوفان الذي يتحول إلى سيروتونين في المخ.

السكر :
يحدث تعديلاً سريعاً لأعراض انخفاض سكر الدم (مثل فقدان الطاقة أو سوء الحالة المزاجية على الرغم من أن هذا له عواقبه فيما بعد كما، يساعد على امتصاص التربتوفان في المخ.


دراسة حالة : الرغبة الملحة في تناول الطعام
تبلغ سارة (ليس اسمها الحقيقي ) 25 عاماً، وهي أم مسئولة عن تلبية طلبات أطفال صغار وتدرس بالجامعة وتعاني من أعراض مرض الإجهاد المزمن وكما هو حال المصابين بهذا المرض، كانت سارة تعاني من أعراض عديدة منها الشعور بالإجهاد والأرق وعدم الاستغراق في النوم وضعف الذاكرة وعدم القدرة على التركيز وكثيراً ما تصاب بغثيان وتعاني من الرغبة في تناول الطعام خاصة الحلوى والشوكولاته .

في أول موعد لها، اعترفت سارة أنها تأكل على الأقل 6 قطع من الشكولاته كل يوم تقريبا" وكانت لديها رغبة أكيدة في تغير هذا ولكنها لم تكن واثقة من قدرتها على التحكم في احتياجها اليومي من السكر والشوكولاتة.

ولقد بين لها أنه يمكنها التحكم في الرغبة في تناول الشوكولاته عن طريق تناول أنواع من الطعام بطيئة الاحتراق بانتظام والحرص بصفة خاصة على تناول وجبة الإفطار وكذلك الإقلال من المشروبات المنبهة مثل الشاي والقهوة مما يجعل مقاومة إغراء الشوكولاته أسهل بكثير. وافقت سارة على هذه التغيرات وعملت على أن تحمل معها وجبات سريعة أكثر فائدة للصحة مثل الفاكهة المجففة أو المكسرات أو البذور أو كعك الشوفان كي تأكلها كلما شعرت بإلحاح الرغبة في تناول الشوكولاته.

بعد مرور أسبوعين، شعرت سارة برضا شديد عن نفسها وقررت أن معدل تناول الشوكولاته قد انخفض من 30 قطعة التي اعتادت تناولها خلال هذه الفترة إلى 6 قطع فحسب خلال 14 يوما،ً وقالت سارة أنها قد تفاوضت مع نفسها وأنها منحت نفسها هذه القطع الستة كمكافأة على "عدم تناول كثير من الشوكولاته" وقد ساعدها هذا على الإقلال أحيانا . وكانت من أصعب الأوقات بالنسبة لها جلوسها مع أصدقائها في المقصف بالجامعة وهي تقاوم إغراء ماكينة البيع ولقد نجحت في التغلب على هذا الإغراء عن طريق تصميمها وتناولها قضمات لذيذة من بدائل كانت تحملها دائماً كي تكسبها " الإشباع الفمي" الذي تحتاج إليه. و قالت سارة إن حملها تلك الوجبات السريعة البديلة كان " صمام الأمان" الذي يمنع اللهفة الشديدة التي قد تنتج عن " خوفها من الشعور بالجوع".

لقد ساعد حرص سارة على تناول وجبة الإفطار في دعم ما اتخذته من تغييرات وكذلك امتناعها عن تناول فنجانين من الشاي كانت قد اعتادت تناولهما كل يوم وعلى الرغم من أن عدد 2 فنجان ليس بالقدر الكبير، بصفة عامة، إلا أن حساسية سارة للشاي كانت كبيرة مما جعلها تشعر بسرعة بفائدة هذا التغيير ووجدت سارة أنها لم تفتقد الشوكولاته بل وفي نفس الوقت كانت تلاحظ حلاوة ومذاق أنواع أخرى من الطعام.

وقالت سارة أنها أصبحت " تقرأ معدلات طاقتها" بدقة أكبر وهو ما أدركت أهميته للتحكم في نمط حياتها وصحتها.

على مدار الأسبوعين التاليين، اكتسبت سارة قدرة أكبر على التحكم في تناولها للشــوكولاته ونجحت في تناول ثلاث قطع من الشكولاته في 14 يوم ثم قررت أنها قد وصلت إلى معدل معقول من تناول الشكولاته وقالت أنها تستطيع الآن شراء أنواع الشكولاته الفاخرة، غالية الثمن التي لا تجعلها تشعر بالغثيان. لقد أسهم تناولها لوجبات سريعة بديلة بانتظام واستمتاعها بها في نجاحها وخلصت سارة باربرا إلى القول بأنها " لم تصدق التغييرات التي طرأت على

صحتها منذ أدخلت هذه التعديلات البسيطة على نظامها الغذائي فهي تشعر أنها أكثر تحكماً فيما تأكله بدلاً من الاستسلام للرغبات غير الصحية في الأكل. وأنها أصبحت بالفعل لا تطيق الشوكولاته وكأنها قد أعادت برمجة عقلها". وقد أتت هذه التجربة بدون أية أدوية عشبية أو دواء مثلي، إلا أن النتيجة مع الدواء المثلي تكون أفضل وأسرع.

د. يوسف البدر

 
 
Bookmark and Share