Bookmark and Share

العلاج بالرحمة (5):


بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله الله عليه وسلم
أحبابي في كل مكان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

العطاء من القلب...
قلب يتّبع مبدأ الرحمة واللاعنف كل ما أبغيه في حياتي هو الرحمة، وأن يكون هناك تدفقاً ما بيني وبين الآخرين يُبنى على العطاء المتبادل من القلب وتعبر الأبيات التالية عن صفة الرحمة التي أشير إليها على أنها "العطاء من القلب":
أكثر الأوقات التي أشعر فيها بعطائك لي
هي تلك الأوقات التي تأخذ فيها مني
حيث تدرك حينذاك السعادة التي أشعر بها
عندما أعطيك
و تعلم أن عطائي لك لم يكن بُغية
أن أجعلك مديناً لي
ولكن كان هدفه أن أعيشَ ذلك
الحب الذي أشعر به تجاهك
وعندها أتلقى باستحسان
هبة الحب التي تعد من أعظم الهبات
لا يتسنى لي أن أفصلَ بين الاثنين:
العطاء والحب
فعندما تشملني بعطاياك
أعطيك أنا ترحيبي بعطيتك
وعندما تأخذ مني
أشعر و كأنك أعطيتني

عندما نعطي من القلب، فإننا نفعل ذلك بدافعٍ من السعادة التي تشملنا كلما أردنا إثراء حياة شخص آخر. وهذا النوع من العطاء يعود بالنفع على كلٍ من الشخص الذي أعطى والشخص الذي تلقي ذلك العطاء، حيث يستمتع متلقي العطاء بالعطية دون أن تقلقه العواقب التي ترافق العطايا التي تعطى بدافعٍ من الخوف، أو الذنب، أو الحياء، أو الرغبة في تحقيق ربحٍ ما. أما الشخص المانح فهو يستفيد عندما يرى مجهوداته وقد أسهمت في إسعاد شخصٍ ما فيزداد تقديره لنفسه.

غير أن أسلوب لغة الرحمة أو التواصل بلا عنف لا يتطلب أن يكونَ الأشخاص الذين نتواصل معهم على دراية بذلك الأسلوب أو حتى لديهم الدافع لإقامة علاقة معنا تتسم بالرحمة، فإذا ما تمسكنا بمبادئ أسلوب لغة الرحمة أو التواصل بلا عنف وجعلنا دافعنا الوحيد هو العطاء والأخذ بشكل رحيم وبذلنا ما بوسعنا كي نعلم الآخرين أن ذلك هو دافعنا الوحيد، فسوف ينضموا إلينا في إتباع ذلك الأسلوب ويتسنى لنا في النهاية أن نتجاوب مع بعضنا البعض بشكلٍ رحيم.

غير أنني لا أقول أن هذا دائماً ما يحدث سريعاً. ولكني أؤكد أن زهور الرحمة لابد وأن تتفتح عندما نُبقى على إخلاصنا لمبادئ وعملية أسلوب العلاج بالرحمة. عملية العلاج بالرحمة بلغة الرحمة أو التواصل بلا عنف
لكي نصل إلى الرغبة المشتركة في العطاء من القلب، يجب أن نركز ضوء الوعي على أربعة مناطق ـ يشارُ إليها على أنها المكونات الأربع لنموذج العلاج بالرحمة بلغة الرحمة أو التواصل بلا عنف.

أولاً: تلاحظ ما الذي يحدث بالفعل في الموقف بدون تقييم الأخرين: ما هي الأشياء التي تلاحظ أن الآخرين يقولونها أو يفعلونها والتي إما أنها تُجملُ حياتك أو لا تجملها؟ والدور الذي عليك القيام به هنا هو أن تكون قادراً على أن تفصل تلك الملاحظة دون إبداء أي حكم أو تقييم ـ بمعنى أن تقول ببساطة أنني يروق لي أو لا أحب ما يفعله الناس.

ثانياً: تقرر وتقول ما هو شعورك عندما لاحظت ذلك التصرف: هل جرحنا، شعرنا بالخوف، ابتهجنا، ضحكنا، تضايقنا، الخ؟
ثالثاً: أن تقول ما هي الحاجات الخاصة بك التي ترتبط بتلك المشاعر التي قمت بتحديدها آنفاً. ويتسنى لنا إدراك المكونات الثلاث المذكورة عالياً عندما نستخدم أسلوب لغة الرحمة أو التواصل بلا عنف في التعبير بصدق ووضوح عن حالنا.

فالأم على سبيل المثال، يمكنها التعبير عن تلك المكونات الثلاث لإبنها المراهق عندما رأت أنه يلغي بملابسه المتسخة في الغرفة دون وضعها في المكان المناسب قائلةً،
"1- عندما أرى زوجين من الجوارب المتسخة متكورين تحت منضدة القهوة وثلاث كرات أخرى من الجوارب المتسخة أيضاً بجانب التلفاز( نلاحظ ان العبارة بدون تقييم أخلاق وتصرفات الولد )،
2- أشعر بالغضب
3- لأنني أحتاج إلى أن تكون غرفتك أكثر نظاما ً"
ولسوف تُتبع ذلك القول في الحال بالمكون الرابع ـ وهو طلب محدد جداً:
4- "هل ممكن ان تضع تلك الجوارب في حجرتك أم في المغسلة؟" وذلك المكون الرابع يتعلق بما نريد من الشخص الآخر أن يفعله والذي من شأنه أن يُجّمل حياتنا أو يجعلها أكثر روعة.

وهكذا نجد أن جزءً من أسلوب العلاج بالرحمة بلغة الرحمة أو التواصل بلا عنف هو أن نعبر بوضوح عن تلك المكونات الأربع إما بالكلام أو بأي أسلوب آخر.
أما الجانب الآخر من ذلك التواصل فإنه يتكون من استقبال نفس المكونات الأربع من الآخرين، حيث يمثل أول اتصال لنا معهم إدراكنا لما يرونه، وما يشعرون به، وما يحتاجون إليه ثم نقوم بعد ذلك باكتشاف ما الذي من شأنه أن يُجّمل حياتهم عن طريق تلقينا للمكون الرابع الذي يتمثل فيما يطلبونه منا.

وعندما نحتفظ باهتمامنا منصباً على المكونات الأربع المذكورة آنفاً، و نساعد الآخرين أن يفعلوا نفسَ الشيء، فإننا بذلك نُوجد تدفقاً من التواصل المتبادل فتظهر الرحمة بشكلٍ طبيعيّ: حيث يتسنى لك أن تتعرفُ على ما أراه، وما أشعر به، وما أحتاج إليه ثم تدرك مطلبي الذي من شأنه أن يجملَ حياتي؛ وأقومُ أنا بدوري بمعرفة ما تراه، وما تشعرُ به، وما تحتاج إليه، ثم أدرك مطلبك الذي من شأنه أن يجملَ حياتك........

الجزء الأول:
عملـية " العلاج بالرحمة بلغة الرحمة أو التواصل بلا عنف."

  • الأفعال الملموسة التي نرى أن لها تأثيرُ على شعورنا بالسعادة
  • ما هو شعورنا نحو ما نراه
  • الحاجات والقيم والرغبات، إلخ التي تشكل مشاعرنا
  • الأفعال الملموسة التي نطلبها من الآخرين والتي من شأنها تجميل حياتنا

جزئيّ أسلوب لغة الرحمة أو التواصل بلا عنف:
1. التعبير عن الصدق من خلال المكونات الأربع
2. التلقى بتقمصٍ عاطفيٍّ من خلال المكونات الأربع

عندما نضع تلك العملية موضع التنفيذ، فإن لنا أن نبدأ بالتعبير عن أنفسنا أولاً أو أن نتلقى بتقمصٍ عاطفيٍّ تلك المكونات الأربع من الآخرين. وسوف نتعلم كيفية الإنصات إلى أو التعبير بالكلام عن كلٍ من هذه المكونات في الحلقات القادمة ، غير أنه من المهم بمكان أن تظل في أذهاننا حقيقة أن أسلوب لغة الرحمة أو التواصل بلا عنف لا يتكون من مجموعة تركيبية محددة، ولكنه يتكيف مع المواقف وكذلك مع الأنماط الشخصية والثقافية المختلفة. وفي حين أُشير إلى أسلوب العلاج بالرحمة بلغة الرحمة أو التواصل بلا عنف على أنه "عملية" أو "لغة" وهي إشارة ملائمة، نجد أنه من الممكن أن نَمارس كل المكونات الأربع لتلك العملية دون أن نتفوه بكلمةٍ واحدة حيث أن جوهر أسلوب لغة الرحمة أو التواصل بلا عنف يتمثل في إدراكنا لتلك المكونات وليس في الكلمات الفعلية التي نتبادلها مع بعضنا البعض.

تطبيق أسلوب لغة الرحمة أو التواصل بلا عنف في حياتنا وفي العالم:
عندما نستخدم أسلوب لغة الرحمة أو التواصل بلا عنف أثناء تفاعلنا مع أنفسنا، أو مع شخصٍ آخر أو مع مجموعة من الأشخاص فاننا بذلك نعمل على ترسيخ طبيعتنا الرحيمة ولذلك يُعد لغة الرحمة أو التواصل بلا عنف أسلوباً يمكن تطبيقه و بشكلٍ فعال على كل مستويات التواصل وفي مختلف المواقف مثل:

  • العلاقات الحميمة
  • العائلات
  • المدارس
  • المنظمات والمؤسسات
  • العلاج والاستشارة
  • المفاوضات الدبلوماسية والتجارية
  • الخلافات والصراعات أياً كانت طبيعتها

ويستخدم بعض الأشخاص أسلوب لغة الرحمة أو التواصل بلا عنف لتعميق وزيادة اهتمامهم بعلاقاتهم الحميمة مع الآخرين، أُورد فيما يلي أحد الأمثلة على أشخاص قمت يتدريبهم على العلاج بالرحمة بلغة الرحمة أو التواصل بلا عنف مثال على ذلك إحدى السيدات بعثت برسالة تقول فيها :
"عندما تعلمتُ كيفية التلقي (الاستماع)، والعطاء (التعبير)، عن طريق استخدام أسلوب لغة الرحمة أو التواصل بلا عنف تعلمت ما هو سبب شعوري بأن الآخر يهاجمني وبأنه لا يراعي مشاعري أو احتياجاتي لأصل إلى أن أُنصتَ بالفعل للكلمات التي استخدمها وأستنبط المشاعر الضمنية الموجودة بها. فقصتي هي أنني اكتشفت أن زوجي الذي دامت عشرتي له ثمانٍ وعشرين عاماً هو رجلُ جارحُ ويسئُ إلى، وقد طلب مني في عطلة نهاية الأسبوع السابقة على حضوري مع الدكتور يوسف لعمل دورة لأسلوب العلاج بالرحمة بلغة الرحمة أو التواصل بلا عنف فبل أن يحصل الطلاق، والحمد لله و باختصار ها نحن هنا اليوم ـ سوياً حيث أشعر بعظيم تقديري لذلك الأسلوب لمساهمته في النهاية السعيدة التي نعيشها الآن أنا وزوجي....فلقد تعلمت الإنصات للمشاعر، والتعبير عن حاجاتي، وتَعلمتُ أيضاً تقَبُلَ الردودَ التي لم أكن دوماً أرغبُ في سماعِها، فزوجي ليست إحدى مهامه أن يسعدني، ولا أنا من مهامي أن أجعله سعيداً. فقد تعلم كلُ منا أن يزدادَ حكمةً فيتقبل الآخر ويحبه حتى يصل كلانا لمرحلة الإشباع."

وبعضُ الأشخاص الآخرين يستخدمونه لبناء علاقات أكثر روعة في مجال العمل، حيث كتب أحد المدرسين:
لقد استخدمتُ أسلوب لغة الرحمة أو التواصل بلا عنف لمدة عام في فصل من فصول ذوي الاحتياجات الخاصة.وهو أسلوبُ ناجحُ حتى مع الأطفال الذين يعانونَ من تأخرٍ في اللغة، صعوباتٍ في التعلم، ومشكلاتٍ في السلوك.

وأنا بالطبع كطبيب استخدام أسلوب العلاج بالرحمة بلغة الرحمة أو التواصل بلا عنف مع جميع مرضاي

"أثناء ممارستي لمهنة الطب أستخدم أسلوب العلاج بالرحمة بلغة الرحمة أو التواصل بلا عنف بشكلٍ متزايد حتى أن بعض المرضى يسألونني إذا ما كنت عالماً نفسياً موضحين أن الأطباء الذين يتعاملون معهم لا يهتمون عادةً بأسلوب معيشتهم أو أسلوبهم في التعامل مع الأمراض. ويساعدني أسلوب لغة الرحمة أو التواصل بلا عنف على إدراك حاجات المرضى، والكلمات التي يرغبون في سماعها في لحظة ما. وقد ساعدني إتباع ذلك الأسلوب بالفعل خاصة فيما يتعلق بمرضى الإيدز و المصابين بمرض السرطان وذلك لما تنطوي عليه تلك الأمراض من غضبٍ وألمٍ شديدين حتى أن العلاقة بين هؤلاء المرضى وطبيبهم المعالج غالباً ما تضعف بشدة. وقد أخبرتني سيدة مصابة بمرض عضال قمت بعلاجها على أن أكثر ما ساعدها أثناء فترة علاجي لها هو محاولاتي لإيجاد طرق تستطيع من خلالها التمتع بحياتها اليومية. وهكذا ساعدني استخدامي لأسلوب لغة الرحمة أو التواصل بلا عنف كثيراً في هذا الجانب من عملي. ففي الماضي كنت كثيراً ما أجد أنه من الصعوبةِ بمكان أن أشجعَ بإخلاصٍ هؤلاء الأشخاص المصابين بمرضٍ يُفضي إلى الموت على أن يحيوا حياتهم حيث تقيدني غرابةُ حالتهم المرضية، ولكن مع استخدامي لأسلوب العلاج بالرحمة بلغة الرحمة أو التواصل بلا عنف استطعت اكتساب إدراكاً جديداً للأمور وكذلك لغةً جديدةً للتواصل.

ويُدهشني أن أرى كيف أنَّ ذلك الأسلوب يعدُ أسلوباً ملائماً لمهنة الطب التي أمارسها فكلما ازددتُ انهماكاً في قصة أسلوب العلاج بالرحمة بلغة الرحمة أو التواصل بلا عنف أجده يَشِعُ في نفسي المزيد من الطاقة والسعادة."
وما زال آخرون يستخدمون هذه العملية في الساحة السياسية حيث دربت احد السياسيين وأصبح الآن من أبدعهم في السياسة.
ويعد أسلوب العلاج بالرحمة بلغة الرحمة أو التواصل بلا عنف الآن وسيلةً نافعةً على مستوي العالم في المجتمعات التي تشهد صراعات عنيفة وتوتراً عرقي أو ديني أو سياسي خطيراً. واني امل ان ينتشرُ التدريب على أسلوب العلاج بالرحمة بلغة الرحمة أو التواصل بلا عنف واستخدامه في التوسط بين أطراف الصراع في كل مكان.

استخدام أسلوب العلاج بالرحمة بلغة الرحمة أو التواصل بلا عنف:
وقد شعرت بالسعادة الروحانية تشملُني إذ أستطيع السفرَ حول العالم كي أعلم الناس عملية التواصل التي تعطيهم القوة والسعادة. أما الآن فإنني أشعر بالسعادة والإثارة حيث تمكنت من مشاركتك أيها القراء الاحباب هذا الأسلوب.

ملخص:
يساعدنا أسلوب العلاج بالرحمة بلغة الرحمة أو التواصل بلا عنف على التواصل مع بعضنا البعض ومع أنفسنا بطريقة تسمح لطبيعتنا الرحيمة بالازدهار حيث يقودنا استخدامنا لهذا الأسلوب لتعديل الطريقة التي نعبر بها عن أنفسنا وكذلك الطريقة التي ننصت بها للآخرين، وذلك من خلال العمل على تركيز شعورنا على أربعة مناطق: ما نراه، وما نشعر به، وما نحتاج إليه، وما هو الطلب الذي نطلبه والذي من شأنه أن يجمل حياتنا. كما ينمي استخدام العلاج بالرحمة بلغة الرحمة أو التواصل بلا عنف سلوكنا في الإنصات الشديد والاحترام والتقمص العاطفي ويولد لدينا الرغبة المتبادلة في العطاء من القلب. وهناك بعض الأشخاص الذين يستخدمون أسلوب لغة الرحمة أو التواصل بلا عنف في التجاوب بشكلٍ رحيمٍ مع أنفسهم، والبعض الآخر يستخدمه في العمل على تعميق علاقاتهم الشخصية، وآخرون يستخدمونه في إقامة علاقات أكثر روعة في العمل أو في ميدان التنافس السياسي. كما يستخدم العلاج بالرحمة بلغة الرحمة أو التواصل بلا عنف على مستوى العالم في التوسط في النزاعات والصراعات على اختلاف مستوياتها.

أسأل الله العليم الحكيم أنم يزرع في قلوبكم العلم والحكمة
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

محبكم،
د. يوسف البدر

 

 
 
Bookmark and Share