Bookmark and Share

العلاج بالرحمة (1):


تقنية العلاج بالرحمة
إذا لم نتغير بنفس الصورة التي نريد أن نرى عليها العالم، فلن نستطيع إحداث أيَ تغييرٍ يُذكر، فكلنا للأسف الشديد ننتظر أن يتغير الطرف الآخر أولاً.

مقدمة

أحبابي في كل مكان
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد أنتشر العنف في العالم والأحصائيات تدل أنه وصل الى كل بيت فهل هناك طريقة للحد منه والعيش بسلام على كوكب الأرض بدل هذه الحروب بين الدول الى الحروب بين الأشقاء والأزواج والمجتمعات.

من الصعوبة بمكان أن تجدَ شخصاً ما وقد استمتع بحياته وهو يعيش في واقع بعيد عن الرحمة.  قد تكون نظرة أو كلمة أو همزة وعند الاختلاف لأي أمر فان العقاب بالضرب يكون سهلا عليهم ، وهي تجربة تنطوي على الإذلال, والظلم الذي من شأنه أن يدفع أي شخص لممارسة العنف بُغية الانتقام.

وقد تركت التجارب التي مررنا بها من الحروب العربية الإسرائيلية والحروب التي تعرض لها الشعب الفلسطيني، والغزو الروسي لأفغانستان والحروب اللبنانية والحرب العراقية الإيرانية وحرب البوسنة والهرسك، وحرب العراق على بلدي الكويت، وأحداث 11 سبتمبر وحرب أفغانستان ا وغزو العراق والحرب على لبنان والحروب الطائفية والعرقية في افريقيا تركت لدي حافز لكي أجد طريقة للحد من هذا العنف .
ولقد تعلمت من تجربة معاناتي اثناء غزو الكويت حيث كنت لأجأ في بلدي الثاني البحرين كيفية التعامل مع كل ما يمكن أن تثيره داخل النفس البشرية تجربة التعرض لممارسات العنف الغير بدني من شعورٍ بالغضب و الإحباط و التمييز العنصري والإذلال. وقد قضيت ثمانيةَ أشهر في البلد المضياف البحرين أثناء الغزو العراقي للكويت تعلمت خلالها أكثر مما توقعت.

ومن ضمن الأشياء العديدة التي تعلمتها هي إدراكي لعمق واتساع مبدأ اللا عنف واعترافي بأننا جميعاً يتسم سلوكنا بالعنف ونحتاج إلى أن نُحدِث تغييراً في نوعية المواقف التي نتخذها، غير أن جهلنا بتلك الحقيقة هو ما يجعلنا كثيراً ما ننكرها ونفترض خلو سلوكنا من العنف الذي يرتبط في أذهاننا بصورِ العراك والقتل والضرب والحروب وهي أشياء لا يُقدم على فعلها الأشخاص العاديون.

ولكي اقرب لك مفهوم العنف الذي في ذهني سأطلب منك أن ترسمَ شجرة عائلة للعنف وهذه الشجرة لها فرعان عنف بدني والأخر عنف سلوكي .
سوف تقدر مبدأ اللاعنف بشكل أفضل إذا ما استوعبت واعترفت بكل صور العنف الموجودة بالعالم. – كل ما مررت به، قرأته، رأيته، أو قمت به تجاه الآخرين – ثم ضع كل منهم على شجرة العائلة لمفهوم العنف: إما تحت خانة "بدني" ( في حالة ممارسة العنف باستخدام القوة البدنية) أو تحت خانة "سلبي" ( في حالة ممارسة العنف عن طريق التسبب في جرح المشاعر).

وفي خلال مدةٍ قليلة سوف تغطي حائطاً كاملاً من حوائط غرفتك بقوائم الممارسات العنف السلوكي"السلبي" للعنف وهي أكثرُ إيلاماً من ممارسات العنف "البدني" وعلى ذلك فأن الممارسات "السلبية السلوكية" للعنف تُفضي في النهاية إلى إثارة غضب الضحية فترُد بشكلٍ عنيف، سواءً كانت تلك الضحية فرداً أو عضواً في جماعة، وبمعنىً آخر فإن العنفَ السلوكي السلبي هو الذي يشعل نارَ العنف البدني. وعدم فهمنا أو تقديرنا لمفهوم العنف كما هو موضح عاليه هو السبب في أن الجهود التي نبذلها بهدف تحقيق السلام لا تأتي بثمار أو أن السلام الذي تم الوصول إليه يُعد سلاماً وقتياً فقط. فكيف لنا إذاً أن نطفئ النار إذا لم نقطع الفتيل الذي يُسّعر الجحيم؟

لأنه وكما بينت في محاضرتي بأن الأمراض تنشا من الصراعات النفسية التي نعيشها وهذه الصراعات قد نسببها لأقرب الناس لدينا . ويجب أن نعلم انه عندما نتعامل مع الآخرين بعنف سلوكي سلبي غير بدني من جرح للمشاعر ومن إهانات لفظية فإن الضحية دائما ما تكون ضعيفة فنحن لا نستخدم هذا الأسلوب مع من هو أقوى منا.

فردة فعل الضحية هي واحد من اثنين أما أن يكبت ردة فعله وبالتالي يكون قد بدا رحلة الأمراض من أمراض نفسية مثل الاكتئاب والحزن أو أمراض بدنية مثل فشل في أداء عضو ما مثل السكري أو قرحة أو سرطان، أو انه سيتحين الفرصة لكي ينتقم منك
وقد نسبب بسلوكنا هذا الأذى لأقرب الناس لتا من أولاد أو زوجات أو والدين أو موظفين .

ونلاحظ هنا أن المتضرر الأول هو من مارس هذا السلوك فنحن عندما نتسبب في معاناة من هم أحبائنا نقوم بعمل المستحيل حتى نشفيهم مما هم فيه ونصرف الأموال والوقت، ولا نعلم أن سؤ تصرفاتنا هي سب مرض من نحب. أو عندما تقوم الضحية بالانتقام إذا فممارسة التواصل بلا عنف تعود علينا بالفائدة أولا قبل الآخرين .
من صفات الله سبحانه وتعالى الرحمة وأمر عباده أيضاً بالتحلي بها، فقد قال على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام:"من لا يَرْحم لا يُرْحم" . وروي أن رجلاً دخل الجنة لحسن معاملته الحيوان وهو الكلب، ودخلت امرأة النار في هرة حيوان أيضاً وذلك لأنها حبستها ولم تطعمها ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض وينهى الله عن إفساد أي شيء على وجه الأرض فيصف الإنسان الفاسق بقوله تعالى: "وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد".
إذا لم نتغير بنفس الصورة التي نريد أن نرى عليها العالم، فلن نستطيع إحداث أيَ تغييرٍ يُذكر، فكلنا للأسف الشديد ننتظر أن يتغير الطرف الآخر أولاً.

فمبدأ اللاعنف (اللآظلم) أو مبدأ الرحمة ليس بالإستراتيجية التي يمكننا استخدامها اليوم ثم نبذها غداً، كما أنه ليس بالمبدأ الذي من شأنِه أن يجعلَ منك شخصاً خنوعاً أو خصماً يسهُل التغلبَ عليه إذا ما اتبعته. ولكنه مبدأً يغرسُ في الأذهان المواقف الايجابية لتحل محل المواقف السلبية التي تسود سلوكنا، حيث تتحكم البواعث الأنانية في كل ما نفعله – فنتساءل باستمرار: ما هي مصلحتنا في هذا - وينطبق ذلك بشكل خاص على مجتمعٍ تسحقه المادة ويعتمد في نجاحه على الفردية المطلقة، غير أنه لا يمكن لأيٍ من هذه المفاهيم السلبية أن تصل بنا إلى تكوين عائلة أو جماعة أو مجتمع أو أمة تتسم بالتجانس.

فإنه ليس من الأهمية بمكان أن نتحدَ وقت الأزمات وأن نستعرضَ حبنا للوطن بالتلويح بالأعلام، كما أنه لا يكفي أن نُصبحَ دولة عظمى عن طريق إقامة ترسانة من الأسلحة بإمكانها، إذا ما استخدمت، أن تدمرَ هذه الأرض مراتٍ عدة، و لا يكفي أيضاً أن نُخضعَ بقيةَ العالم باستخدام تلك القوة العسكرية، وذلك لأننا لن نستطيعَ إرساء قواعد السلام على أسسٍ من الخوف.

غير أن المغزى الذي ينطوي عليه مبدأ اللاعنف هو السماح لكل ما هو إيجابي بداخلك بالخروج للنور، هو أن تتحكم في سلوكِك مشاعر الحب، الاحترام، التفاهم، التقدير، الرحمة، والاهتمام بالآخرين، لا أن تسيطر عليك كما هو معتاد مشاعر التمركز حول الذات، الأنانية، الطمع، الكراهية، الإجحاف، الريبة، والعدوانية. فكثيراً ما نسمع الناس يقولون: "إن عالمنا هو عالم قاسٍ، إذا أردت البقاء فيه على قيد الحياة فلتتمثل به وتضع حجراً مكان تلك المضغة التي تحملها بين ضلوعك". غير أنني بكل تواضع لا أتفق مع هذا الرأي الذي يخالف فطرة الإنسان التي خلقه الله عليها لأن تلك المضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، فكيف نعوضها بحجر!!!
إن هذا العالم نحن الذين أفرزناه، فالقسوة والظلم التي يتسم بها الآن ما هي إلا صنيع أيدينا و مواقفنا المتحجرة. إذا ما قمنا بتغيير ما بأنفسنا فلسوف نستطيع إحداث تغيير بالعالم أجمع، ولكي نستطيع تغيير ما بأنفسنا، علينا أن نُغيرَ نحنُ أولاً لغتَنا وأساليب التواصل التي نستخدمها. ، وهذا البرنامج خطوة أولية هامة على الطريق نحو تغيير أسلوب التواصل الذي نتّبعه، وخلق عالماً يتسمُ بالرحمة. وبدون ظلم .

هذه بداية لنتعلم العلاج بالرحمة .و أول درس هو معرفتنا لمعنى العنف أي أن كل عنف بدني يسبقه عنف سلوكي وأذا أستطعنا أن نتعلم كيف نبتعد عن العنف السلوكي فسنحد من العنف البدني الذي طال كل أسرة ومجتمع وأوعدكم في كل جمعة سأعلمكم كيف نتواصل برحمة وكيف نتعلم العلاج بالرحمة بعيدا عن الحب والكراهية . وصدق الله سبحانه وتعالى وما أرسالناك الا رحمة للعالمين .

 
 
Bookmark and Share