Bookmark and Share

طب الطبيعة

مقدمة في طب الطبيعة
فلسفة طب الطبيعة

  • القوة الشافية للطبيعة Vis Medicatrix Naturae
  • تعرف على سبب المرض وعالجه Tolle Causum
  • "أولا: لا تسبب للجسم ضرراً"
  • الطبيب بوصفه معلماً
  • الوقاية
  • عالج الشخص بأكمله
  • قوانين الشفاء
  • نموذج للصحة والمرض

العلاجات

  • العقل، والعاطفة، والروح Mind, Emotion, Spirit
  • التغذية Nutrition
  • العلاج المائي Hydroptherapy
  • طب النباتات Botanical Medicine
  • الزيوت الأساسية (العطرية) Essential Oils
  • طب العلاج التجانسي Homeopathy
  • المعالجات الطبيعية
  • الطب الصيني
  • الوخز بالإبر Acupuncture
  • الأعشاب الصينية Chinese Herbs
  • توي نا Tui Na
  • كي جونج Qi Gong
  • طب اليوروفيدا Ayurvedic Medicine
  • الطب الفطري Indigenous Medicine

 

مقدمة لطب الطبيعية
يعتمد طب الطبيعة في معرفته بأساليب العلاج على القدر الهائل من الحكمة الكامنة في الأرض. فعندما تستخدم طب الطبيعة فإنك ستستخدم أقدم طب موجود وأكثر طرق الطب من حيث الأبحاث الإكلينيكية، وهي المعالجات الطبيعية التي تم تطبيقها بفعالية لعشرات الآلاف من السنين، مندمجة مع أفضل الأبحاث والتكنولوجيات المعاصرة.

وطب الطبيعة هو نظام من الطب التقليدي مُعَرَّف بفلسفته. و يعكس لفظ " تقليدي" جوهر طب الطبيعية بصورة أشمل من لفظي "بديل" أو "مكمل". وترجع جذور طب الطبيعة إلى العصور القديمة، حين درس الأطباء عمليات الصحة كما درسوا عمليات المرض. بل إن هذه الجذور تمتد تاريخيا لأعمق من ذلك، إلى عصر أدرك فيه البشر القوة الشافية الموجودة في أجسامهم ذاتها، وكذلك في النباتات والعناصر التي تحيط بهم. وهذه القوة الشافية الكامنة التي أمد الله بها الأجسام تساعد الجسم على تجديد ذاته واستعادة توازنه.

وهناك أساليب وطرق علاجية عديدة تدخل تحت مظلة طب الطبيعة. فإن فلسفة طب الطبيعة توفر الرابطة التي توحد هذه المجموعة من الممارسات المتنوعة. ومن النواحي الأساسية لهذه الفلسفة، والتي سنذكرها بالتفصيل لاحقا، هو أن العلاج يجب أن يكون متناسب مع كل فرد على حده، ليلاءم احتياجات كل مريض بعينه. فإن طب الطبيعة يعالج الأمراض بمعالجة الأشخاص. فقد يأتي إلى المكتب عشرة أشخاص بأعراض متماثلة من البرد أو الأنفلونزا، ومن المرجح أن يخرج هؤلاء الأشخاص ومعهم عشر خطط علاج مختلفة، وضعت كل منها لتلاءم مجموعة معينة من الاحتياجات.

وهذا التنوع في طرق العلاج يجعل طب الطبيعة صعب الفهم على بعض الناس. فالهيئات التشريعية تفهم أساليب العلاج الأخرى، مثل الوخز بالإبر، بشكل أفضل، لأن طريقة العلاج ثابتة لكل مريض. فإن المعالجين بالإبر يستخدمون الإبر للوخز، وأطباء العلاج اليدوي يستخدمون الضغط أو تخفيف الضغط أو تخفيف الضغط للعلاج، والأطباء العاديون يصفون أدوية صيدلانية أو جراحات.

وأما طبيب الطبيعة فلديه منظومة ضخمة من المعالجات الممكنة التي يختار منها. ويدرس طلاب طب الطبيعة جميع العلوم الطبية بما في ذلك التشخيص الإكلينيكي، والبدني، وعلم الأمراض، والتشريح (ومعمل التشريح)، وعلم الأدوية، والتخصصات مثل طب الأطفال، وأمراض النساء، وأمراض القلب، وباختصار، جميع المواد التي تدرس في أي كلية طب. وبالإضافة إلى ذلك فإننا نخصص مئات من الساعات في دراسة مواد لم تعد موجودة في معظم مناهج كليات الطب الكلاسيكي، وتشمل تقديم المشورة والتغذية، والعلاج بالتمارين الرياضية، والعلاج المثيل، وطب النباتات، والعلاج بالماء، والعلاج الطبيعي (انظر الملحق للإطلاع على لوحة المقارنة).

 ومثل أي طبيب عادي، فإن طبيب طب الطبيعة يسأل المريض عن تاريخ المرض، ويقوم بالفحص البدني ويطلب اختبارات معملية ويشخص الأمراض. و لكن طبيب طب الطبيعة يختلف عن غيره من الأطباء فقط في كيفية علاج المرض الذي تم تشخيصه، وفيما يفعل بالمعلومات التي جمعها. فقد تشمل خطة العلاج تقديم المشورة الغذائية، ووضعه للعلاج المثيل، ومناقشة لكيفية الاستفادة من برنامج معين للتمارين الرياضية لصحة المريض. وقد تغطي المناقشة الضغوط الوظيفية أو الأسرية وكيف تؤثر على صحة المريض. كما أن زيارة المريض للطبيب قد تشمل نوعاً من العلاج الطبيعي إذا كان المريض يحتاج لذلك. وفي بعض الأحوال يحتاج المريض إلى جراحة بسيطة، مثل إزالة زائدة جلدية أو خياطة جرح. وأخيراً، فقد يلجأ طبيب طب الطبيعة في حالات معينة إلى وصف أدوية صيدلانية.

 وبصفتي دكتوراً في العلوم الطبية وعلوم التغذية، وخريج الكلية الكندية لطب الطبيعة، ومعتمدا من البورد الأمريكي لطب الطبيعة ANCB ومن وزارة الصحة بدولة الإمارات العربية، ومستشارا وممارساً معتمداً في العديد من علوم الطب البديل، فإنني لست معارضاً لاستخدام الأدوية والجراحة في حدود معينة، فلدي أدوية معينة استخدمها كجزء من العلاج، وبالنسبة لبعض المرضى فإنني أعتقد أن الجراحة تكون اختياراً متاحاً، وقد يكون ضرورياً لهم. ويتفوق الطب المعتاد في علاج حالات الكوارث، مثل الإصابات الجسيمة الشديدة بعد حادث سيارة، أو استئصال الأورام السرطانية الكبيرة. فعندما نحتاج إلى "المدفع الكبير" فإن الطب العادي يتدخل بعنف وسرعة تبعث على الاطمئنان. و عندما يحتاج الجسم إلى علاج متواصل لمرض مزمن، أو مساعدة في إعادة البناء بعد إصابة أو مرض شديدين، فليس لدى الطب المعتاد قدر كبير مما يقدمه.
و حتى الحالات الحادة "البسيطة" لها علاجات قليلة في النظام الطبي المعتاد. وقد اعترف زميل لي من خريجي كلية طب، بكونه عاجزاً عن علاج البرد. و أخبرني بقوله "أعني أنني لا أعرف ماذا أفعل حتى لنفسي"، "ماذا أقول لمرضاي؟". و قد كنت مندهشا من تصور معرفته بقدر اندهاشي من صراحته. فإنه يمكنني أن أصف ما لا يقل عن ستة علاجات للبرد، وعدة علاجات لإنهاء نزلة البرد في مراحلها الأولية.

إن نظام الطب المعتاد قد فقد موارد لا تقدر بثمن عندما هجر حكمة الطب التقليدي. فقد فَقَدَ معرفة تدعيم قوة الجسم والاستعانة بالقوى التي تساعد على الشفاء الطبيعي والكامنة في الجسم. كما فَقَدَ أيضاً الفهم الحقيقي للاستثمار في الصحة كوسيلة للوقاية. ولسوء الحظ فإن "المدافع الضخمة" للطب المعتاد قد أعطت الناس شعوراً زائفا بالأمان. فكثير من الناس يفترضون أنه يمكنهم أن يستمروا في تناول الطعام غير المفيد، وأن لا يمارسوا التمارين الرياضية، ويدخنوا ويشربوا الخمر بإفراط، ثم "ينقذهم" الطب الحديث من المرض في ما يلي من عمرهم. ونحن الآن بعد أكثر من نصف قرن من ظهور الأدوية الكيميائية العجيبة، نتعلم أن معجزات الأدوية هي ظواهر مؤقتة وليست دائمة. فالبكتيريا والفيروسات تحدث لها طفرات وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية. و العلاج الكيميائي وأدوية علاج ضغط الدم لها آثار جانبية خطيرة قد لا يمكن علاجها أحياناً. و مثل هذه "المعجزات" لها ثمن باهظ كما أن لها منافع، والثمن الذي ندفعه هنا هو صحة أجسامنا وحيويتها. ويعتمد طب الطبيعة على القوة الكامنة في الجسم ليأتي بمعجزاته. و أدويته العجيبة هي مصادر نباتية وعناصر موثوق بها، استخدمت بفاعلية منذ فجر فنون العلاج.

وقد تم إضافة علم العلاج بالحجامة إلى طب الطبيعة لسببين رئيسيين غاية في الأهمية،

الأول وهو إحياء هذا النوع من العلاج الذي أثبت فعاليته و نجاحه على مر العصور والأزمنة وترسيخه كفرع من فروع طب الطبيعة Naturopathy شأنه في ذلك شأن الوخز بالإبر الصينية والعلاج بالأعشاب والعلاجات الطبيعية الأخرى، حيث أنه لا يقل عنه في فعاليته وفائدته.

وأما السبب الثاني فهو تصحيح أحد المفاهيم الرئيسية لعملية الحجامة والتي كثيرا ما يتردد أنها تخرج الدم الفاسد من الجسم، ولكن وبفضل الأبحاث التي قمت بها وخرجت منها بنتيجة أنه لا يوجد دم فاسد في الجسم ودم صالح فالدم كله يجري مجراه في الجسم ولا يمكن فصله أو تصفيته بهذه العملية، وإنما الدم الذي يتم امتصاصه وإخراجه يكون محتويا على السموم التي تخزن في الطبقة الدهنية الموجودة تحت الجلد، وبالتالي فإن الجسم يتخلص من تلك السموم ويستعيد نشاطه وعافيته.

وكوننا مسلمون فإننا لا نحتاج إلى براهين وأدلة لإثبات فائدة الحجامة فيكفينا يقينا وإيمانا بها وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالحجامة حيث قال: "نعم الدواء الحجامة، تذهب الدم وتجلو البصر وتخف الصلب"، وهذه شهادة من نبي لا ينطق عن الهوى، وقد أوصته الملائكة بالحجامة في ليلة إسرائه حيث قال عليه الصلاة والسلام: "ما مررت بملأ من الملائكة ليلة أُسْرِيَ بي، إلا قالوا عليك بالحجامة".

ولابد من التذكير في ختام هذه المقدمة أن الشفاء بيد الله عزَّ وجلّ، لقوله على لسان إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام: "* وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ *"[1] ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يعوذ أهله أو يدعو لمريض: "اللهم رب الناس مذهب البأس واشف، أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقما"[2] . وما التداوي والعلاج إلا اتخاذ بالأسباب، وقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على البحث عن العلاج وطلبه، مع اليقين بأن الشافي هو الله ولا أحد سواه: جاءت الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: " نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله عزَّ وجلَّ لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً، غير داء واحد"، قالوا: ما هو؟ قال: "الهرم" [3]

[1]
الشعراء (80)
[2] صحيح مسلم، سنن أبو داود، والنسائي في اليوم والليلة
[3] أخرجه أبو داود، وابن ماجة، والترمذي في سننهم، وأحمد في مسنده، وقال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح.

 


فلسفة طب الطبيعة
القوة الشافية للطبيعة Vis Medicatrix Naturae
إن كل من أجسامنا البشرية وجسم الأرض بها حكمة كامنة تحكم دورات الميلاد، والنمو، والنضج، والاضمحلال. وصحة الجسم تقوى بالحركة اليومية، والحياة في تناغم مع هذه الدورات الطبيعية. ويأتي كثير من أدوات الشفاء من الأرض مباشرة، مثل العلاج بالماء، الذي يعتمد على الخصائص العلاجية للماء. ويستخدم الطب النباتي خصائصه العلاجية من النباتات. كما أن المواد المعدنية، والنباتية، والحيوانية، تزودنا بأساس الطب التجانسي. ولكل من هذه العلاجات ذكاء فطري يتفاعل مع حكمة الجسم الشفائية للتوصل إلى الصحة والتوازن والتناغم. فالصحة ناتجة عن التوازن الذي يمكن المحافظة عليه بما قد يبدو أنه قوى مدمرة – مثل الحمي أو الالتهاب- والتي تسفر في النهاية عن استعادة أجسامنا لصحتها وحيويتها (انظر نموذج الصحة والمرض، فيما يلي).

تعرف على سبب المرض وعالجه Tolle Causum
إن المرض لا يحدث بدون سبب. فالجسم بحكمته الرائعة دائما ما يهمس قبل أن يصرخ. والرعاية الصحية الواعية تعني تعلم الاستماع إلى الجسم وعلامات الإنذار المبكر التي يصدرها. فالأعراض الجسمية هي كنايات، أو ربما إذا شئنا مزيداً من الدقة، مؤشرات على تحولات وتغيرات في عمليات الحياة. فالأعراض هي عادة نتيجة لمحاولة الجسم إعادة التوازن لذاته. وتتطلب معرفة السبب التوصل إلى الجذور النفسية، والاجتماعية، والروحية للمشكلة، وكذلك الأسباب البدنية للمرض. و نادراً ما يتعامل علاج الأعراض مع الاضطراب الكامن وراءها، بل إن علاج الأعراض في الواقع قد يخفي المرض ويجعل التعرف على السبب أكثر صعوبة. ويتطلب علاج السبب التعامل مع الجسم ككل.

ويشير الطب الصيني إلى مبدأي العلاج (بين Ben ) و(بياو Biao ) وهما "جذور" المرض و"فروعه". ويتعلم الطبيب الحاذق التفريق بين الأسباب العميقة (الجذور) والظواهر السطحية (الفروع) المتعلقة بالمرض. وقد كتب ماشيوشيا "Maciocia" في "أسس الطب الصيني": "عند النظر في الجذور (بين) والظواهر (بياو) فمن المهم أن نفهم الصلة بين الاثنين. فهما ليسا كيانين منفصلين، بل وجهين متناقضين، مثل الين واليانج. وكما يشير إسماهما فإنهما مرتبطان ببعضهما، مثل جذور الشجرة المرتبطة بفروعها، فالجذر تحت الأرض وهو غير ظاهر، والفروع فوق الأرض وهي مرئية. وتوجد نفس تلك العلاقة بين جذور المرض وظواهره الإكلينيكية: فإنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً وهي تشكل وجهين لنفس الكيان" .

وعلاج السبب يعني التعامل مع جذور المرض وليس فقط مع السيقان والأوراق التي ترمز للأعراض والعلاقات المرضية في الجسم. فإن اختلال الجذر قد يظهر في هيئة مجموعة من الأعراض. وأحياناً تسبب عدة جذور مضطربة عرضاً واحداً، مثل صعوبة التنفس التي قد تكون عرضاً مرتبطاً بعدة أمراض متزامنة مثل هبوط القلب الاحتقاني "Congestive Heart Failure" ، أو الأوديما الرئوية "Pulmonary Edema" ، أو الالتهاب الشعبي المزمن "Chronic Bronchitis" ، أو تمدد الرئة "Emphysema" أو جميع هذه الأمراض. و المبدأ الأساسي في كل من الطب الصيني وطب الطبيعة هو: "لكي تعالج مرضاً، يجب أن تجد الجذر".

"أولا: لا تسبب للجسم ضرراً"
إن العلاجات التقليدية الطبيعية تهدف إلى إعادة التوازن للجسم بأقل قدر ممكن من المعالجات التدخلية. وأنا أبدأ دائما بأبسط المعالجات للمرض في عيادتي (وهي بصفة عامة تغيرات في النظام الغذائي والعلاج بالماء) قبل إضافة معالجات أكثر تعقيداً وأكثر تكلفة. فأنا أصف تركيبة نباتية متوازنة جيداً قبل أن أوصي بملئ كيس من الإضافات. كما أن "عدم التسبب في أي ضرر" يشمل إعطاء علاجات تغذي الجسم وتقويه، فالتقاليد الطبية لكل من الطب المعتاد الشرقي والغربي تشمل استخدام "مقويات"، وأعشاباً، وتركيبات أخرى لتقوية الجسم. وتوصف هذه المقويات بصفة عامة بعد الولادة (للأم)، وبعد الأمراض الطويلة، وللرعاية الوقائية. فغالبا ما يشرب الصينيون أنواعاً خاصة من الشاي ويأكلون أطعمة خاصة عند تغيير الفصول لإعداد الجسم للظروف الجوية الجديدة.

الطبيب بوصفه معلماً

 إن كلمة "دكتورDocere " تعني "يُعلم"، فوظيفة الطبيب الأساسية هي أن يقدم المعلومات للمرضى، وبذلك يُمَكِّنْ الناس من تنظيم صحتهم. و يقضي طبيب طب الطبيعة قدراً كبيراً من وقته في عيادته في تعليم المرضى. وعندما ينجح مريض في تطبيق المعلومات وتحقيق مستوى صحي أفضل، فإن الطبيب يكون مصدراً لمزيد من المعلومات للحالات الطارئة، أو مدرباً للمساعدة في الوصول إلى مستويات صحية أعلى.

و للأسف فإن بعض المرضى لا يريدون مثل هذه المعلومات بل إنهم يريدون أن يقوم الطبيب بإصلاحهم كسيارة في ورشة للإصلاح. فقد قضيت حوالي ساعة أوجه النصائح إلى إحدى المرضى بشأن الغذاء، والتمارين الرياضية، وتقليل التوتر، محاولاً أن أوضح أن غذاءها (المكون في معظمه من الوجبات السريعة) يرتبط ارتباطاً وثيقاً بشعورها بالإرهاق. فحملقت لي المريضة وهي تغلي من الغيظ وقالت: "ألا يمكنك أن تعطيني بعض الأقراص، لقد أعطاني آخر معالج بطب الطبيعة زرته بعض الأقراص التي كنت أشعر بتحسن طالما تناولتها. ألا يمكنك أن تعطيني شيئاً من ذلك؟".

وقد ترددت قبل أن أصف لها بعض المكملات الغذائية المضادة للأكسدة، مع علمي بأنني بذلك أعطيها مسكنا مؤقتاً لمشكلة أكبر كثيراً، فقد كانت المريضة تتناول غذاء غير صحي، ولا تمارس التمارين الرياضية، كما أنها تعمل في وظيفة مرهقة جداً، وترعى أمها المريضة في المساء. وكانت تخشى من احتمال أي تغيير جوهري في حياتها. فقد كانت تريد لصحتها أن تتحسن بدون تغيير أي من الظروف التي كانت تؤدي إلى مرضها.

 إن معظم الناس مازالوا معلقين بنمط نشأ عن نظام الطب المعتاد: "إنني أشعر بألم، فأعطني بعض الأقراص ليزول الألم حتى أواصل حياتي". ومشكلة هذا النمط هي أنه أحيانا ما يكون أسلوب حياة المريض هو سبب الألم. و لذلك فإن إزالة الألم "بقرص سحري" لن يفيد المريض كثيراً. إن بعض أطباء طب الطبيعة يقتنعون بإعطاء المريض أدوية لإزالة الأعراض سريعاً، آملين أن يعود المريض يوماً ما لعلاج المشكلة الأساسية.

 ربما كنت في حاجة إلى مزيد من الوقت في الموقف الذي وضعته، من أجل تعليم المريضة مزيداً من المعلومات عن حالتها. وربما كانت المريضة في تلك الفترة من حياتها غير مستعدة لتقبل أسلوب علاجي يحتاج إلى مشاركتها. فليس كل مريض مهتم بالصحة و تطوير أسلوب حياته. و لذلك فإن الأدوية والجراحة قد تكون اختيارات ملائمة لهؤلاء المرضى.

الوقاية

 إن الرعاية الوقائية تستلزم دراسة الصحة بنفس القدر من الدقة كما ندرس حدوث المرض. فمعظم المعالجات الطبية المعتادة تركز على المرض، لإعادة المرضى من وضع الرقود إلى وضع الوقوف على أقدامهم (التدخل لحل الأزمات). و الطب التقليدي يمكنه كذلك إعادة المرضى من الرقود إلى الوقوف، كما يمكنه مساعدتهم على المشي والجري فعلاً. فالطب المعتاد يهدف إلى البقاء على قيد الحياة، ولكن الطب التقليدي يهدف إلى تحقيق الصحة المثالية.

و يحتاج الطب الوقائي الصحيح إجراء تعديلات يومية من أجل صحتنا، مثل تناول الأطعمة التي تغذي أجسامنا، وممارسة التمارين الرياضية، وتكوين علاقات محبة، ومجتمعات مساندة، تساهم في صحة الأرض. فإن الناس الأصحاء يعيشون في بيئات صحية. والطب الوقائي يعني العمل من أجل هواء نظيف، وأرض نظيفة، وماء نظيف. إن صحة الإنسان لا تنفصل عن صحة هذا الكوكب الذي نعيش عليه.

عالج الشخص بأكمله

إن سبب المرض يرجع في أغلب الأحوال إلى عوامل متعددة ولذا فإن المعالجة يجب أن تكون متعددة الجوانب. وأنا أسأل المريض المعتاد "ما الذي يحدث في حياتك؟ لماذا تعتقد أنك مريض الآن؟". ويتعجب بعض المرضى من ذلك، فهم ليسوا معتادين على أن يهتم أي طبيب سوى بالأعراض البدنية ونتائج التحاليل المعملية في عمله. و كثير من المرضى يعلمون سبب مرضهم، ولكن البعض الآخر يحتاجون إلى تدريب وإقناع لكي يفهموا أن أجسامهم ترتبط ارتباطاً وثيقاً مع حياتهم العقلية، والانفعالية، والروحية، بل وحتى هيكلهم العظمي.

ولا أقصد هنا أن كل اضطراب بدني يمكن أن يكون راجعاً إلى سبب انفعالي، أو عقلي، أو روحي. وفي وقت ما كنت مقتنعاً بأن جميع الأمراض راجعة إلى "مسألة" أو "مسائل" تظهر على المريض في صورة مرض بدني، أي أن التعرف على الأنماط الانفعالية/ العقلية وتغييرها سيؤدي إلى علاج المرض البدني. ولكن تفكيري قد تغير مع مرور الزمن. فبعض الناس أحياناً يوجِدون الأمراض ليتخلصوا من "مسائل". و في أحيان أخرى يصاب البعض بنقص في الحديد لأن لديهم نقصاً في الحديد، وليس لأن لديهم درساً كونياً يتعلمونه. وعندما تخليت عن الحاجة إلى إيجاد سبب "ميتافيزيقي" لكل مرض، فقد مكنني ذلك من أن أتجنب إصدار الأحكام على الناس وأن أتفهم بقدر أكبر تعقيدات الصحة والمرض. كما أن التخلي عن يقين بشأن أسباب المرض أعطاني مجالاً أكبر ليعبر اللغز العظيم للصحة والمرض عن نفسه.

 إن عملية التعافي غالباً ما تسبب ظهور الجروح التي لم تلتئم في الماضي، وقد تكون تلك الجروح قد حدثت على المستوى البدني، أو العقلي، أو الانفعالي، أو الروحي. كما أن التركيز على شفاء أي جانب من النفس قد يعيد تنشيط الجروح القديمة. فالجسم لدية طاقة كافية "لتنظيف البيت" ولاسترجاع النفايات القديمة، وفحصها، والتخلص منها. فالتخلص من الألم الانفعالي مثلاً قد يكون مصحوباً بعودة طفح جلدي أصاب المريض أثناء طفولته. فشفاء الطفح قد يتبعه إدراك لنمط مستحيل من العلاقة التي يكون المريض مستعد لتغيره.

والمسار الذي يعود فيه كل شخص إلى الحالة الطبيعية هو مسار متميز لكل شخص، مع أن هناك أنماطاً معينة للتعافي قد تميز ذلك المسار، ونموذج التعافي الموضح فيما يلي ينطبق على كلٍ من طب الطبيعة والعلاج التجانسي:

قوانين الشفاء

الشفاء يحدث:
  • من الداخل إلى الخارج (الأعضاء الداخلية أولاً، والجلد في النهاية).
  • من القمة إلى القاعدة (من منطقة الرأس نزولاً إلى القدمين).
  • من الأحدث إلى الأقدم (الأعراض الحديثة تشفى أولاً تتبعها الأعراض الأقدم– أي بعبارة أخرى بعكس الترتيب الزمني لحدوثها).
  • من الأعضاء الأقل أهمية إلى الأعضاء الأكثر أهمية في الجسم.

نموذج للصحة والمرض

 إن كل فن من فنون العلاج يعمل في إطار معين لشرح أسباب المرض ويرسم طرق العودة إلى حالة صحية معينة. و سيوضح الفصل الثاني بعض نظم العلاج الرئيسية التي تقع تحت مظلة طب الطبيعة.

 وفيما يلي نموذج أساسي يشرح تطور المرض من منظور طب الطبيعية. كما يقترح هذا النموذج كيفية التغلب على سير المرض والعودة إلى حالة الصحة. و يجب أن نتذكر أن النموذج ليس بالضرورة هو "الحقيقة" وقد قال مدرس مستنير ذات مرة "إننا نسلي أنفسنا بالنماذج إلى أن تظهر الحقيقة". ومع أن النموذج التالي قد لا يمثل الحقيقة المطلقة، فإنني قد رأيت هذا النموذج يعمل بكفاءة عالية في الممارسة السريرية. و يقدم لنا هذا الموجز فهماً مبسطاً وجيداً للصحة والمرض والشفاء، وهو مصدر هام استمد منه الإرشاد أثناء عملي.

 http://www.dryousefalbader.com/natural/nat2.h1.jpg

إن معظمنا يبدأ الحياة في حالة الصحة المثالية. و أثناء حياتنا نتعرض لظروف تجعل توازننا يختل وتُحَمِل الجسم فوق طاقته الاحتمالية، ويستجيب الجسم لذلك عن طريق حدوث الالتهاب (الاحمرار، الألم، الحرارة، والتورم). والحمى هي واحدة من أكثر الاستجابات الالتهابية شيوعاً.

http://www.dryousefalbader.com/natural/nat2.h2.jpg
و عندما تعطى العلاجات الطبيعية بأسلوب سليم، يمكنها أن تسرع مرحلة الطرد وتعجل بالعودة إلى الصحة. و لسوء الحظ فإن معظم الناس يحاولون وقف الاستجابة الالتهابية قبل أن تأخذ فرصة لإبعاد الخلل من الجسم. و لذا فإن إيقاف أو كبت التهاب يمكن أن يدفع الخلل عميقاً داخل الجسم مما يسبب خللاً مزمناً. وإذا استمر ذلك الخلل المزمن لفترة طويلة فسيبدأ الجسم في الاضمحلال (الضمور، الأورام، الانحلال).

http://www.dryousefalbader.com/natural/nat2.h3.jpg

 ومن الأمثلة التقليدية على التعطيل، التي يعترف بها كل من الطب المعتاد وطب الطبيعة، استخدام كريم الكورتيزون على طفح الإكزيما. الكورتيزون يوقف الالتهاب بتعطيل نشاط الجهاز المناعي. ويلاحظ مرضى الإكزيما الذين يستعملون كريم الكورتيزون حدوث ربو في أغلب الحالات (أو تطوره إلى الأسوأ) بينما تخف الإكزيما. إن كريم الكورتيزون يلغي الإكزيما ويدفع بالالتهاب عميقاً داخل الجسم، أي إلى الرئتين في هذه الحالة. ويلاحظ المرضى غالباً أن الإكزيما تعود إلى الظهور عندما يتحسن الربو لديهم – فالجسم قد تحسن إلى درجة دفع الالتهاب نحو السطح (الجلد) مرة أخرى (انظر "قوانين الشفاء" أعلاه). فيقومون باستخدام كريم الكورتيزون مرة أخرى، فتتحسن الإكزيما وتسوء حالة الربو. وقد تستمر الدورة المزمنة من التعطيل والتحسن لعدة سنوات قبل أن يَمَل الجسم فلا يدفع الالتهاب إلى السطح بعد ذلك. وعند ذلك تخف حدة الإكزيما إلى درجة منخفضة من التهيج، بينما تتعمق جذور الربو ويصبح حالة مزمنة.
وكذلك عندما تطبق علاجات طب الطبيعة بشكل غير سليم، فيمكنها أن تسبب تعطيل الالتهاب وحدوث تهيج. ومع أن التعطيل أقل حدوثاً مع علاجات طب الطبيعة، فإن ممارس العلاج بالماء، والعلاج بالأعشاب، والعلاج التجانسي، يجب أن يكون منتبها لوصفاته وأن يراقب جيداً ظهور أية علامات للتعطيل. ففي المثال السابق، الربو هو "تهيج مزمن" في أنسجة الرئة سببه تعطيل تهيج سطحي ناتج عن عيب بنيوي في الهيكل العظمي (راجع طريقة جيسري في علاج الربو). ومن منظور طب الطبيعة فإن التهيج السطحي (الإكزيما) أقل خطورة من الالتهاب المزمن في عضو حيوي (الربو). وإذا استمر الالتهاب المزمن فترة كافية من الزمن، فسيحدث تحلل للأنسجة. وبصفة عامة، لن تظهر على الجسم علامات ضرر قابلة للقياس حتى يصل المرض إلى مستوى "الالتهاب المزمن" أو "تحلل الأنسجة"، فعلى سبيل المثال، إن أخذ عينة من جيب أنفي به التهاب حاد، وفحصها تحت الميكروسكوب لن يكشف في المعتاد عن تغييرات كبيرة في الأنسجة. ولكن الجيب الأنفي المصاب بالتهاب مزمن ستظهر فيه علامات تهيج على مستوى الخلايا. وقد يسبب التهيج على المدى الطويل تحلل الأنسجة. فتلف الأنسجة هو ظاهرة متأخرة من تحلل الأنسجة.

إن النموذج المثالي للعودة إلى الصحة هو إحداث انعكاس في سير المرض.

text


و من منظور طب الطبيعة، تنشط عملية الشفاء أولاً عن طريق الجهاز الهضمي، بطريقتين أساسيتين: الغذاء السليم والعلاج بالماء. فالجهاز الهضمي مهم جداً لتجديد أي نسيج في الجسم. فالقناة الهضمية مسؤولة عن امتصاص جميع المواد الغذائية والتخلص من معظم الفضلات في الجسم. وإذا كان الجهاز الهضمي يؤدي وظيفته بشكل مثالي، فسيكون لدى الجسم الفرصة للحصول على جميع المواد الغذائية الموجودة في الطعام الذي نأكله، والتخلص من جميع الفضلات التي نتجت عن الجسم خلال عمليات الإحلال والتجديد الطبيعية.

والعلاج المائي البنيوى  Constitutional Hydrotherapy – وهو نوع خاص من العلاج المائي مصمم لتنشيط الجهاز المناعي وزيادة الدورة الدموية في الجهاز الهضمي – هو أبسط الوسائل وأقواها وأقلها تكلفة لدعم شفاء الجهاز الهضمي. (انظر قسم العلاج المائي – في الفصل الثاني).
كما أن التغييرات في نظام الغذاء والعلاج المائي البنيوى تنشط كذلك شيئاً لا يوجد له أداة لقياسه في نظامنا الطبي الحالي، وهو القدرة على الشفاء الكامن في الجسم ذاته. ففي حين يسترد الجسم عافيته، تبدأ مسيرة المرض في الانعكاس. و يتحسن تحلل الأنسجة فيصل إلى مستوى التهيج المزمن، ثم يصبح التهيج المزمن حاداً – وعند ذلك يكون لدى الجسم طاقة كافية "لتنظيف البيت"، لإخراج الالتهاب الحاد الذي كان معطلاً إلى السطح مرة ثانية. و غالباً ما يعود الالتهاب المزمن في صورة حمى منخفضة الشدة، أو برد أو مرض شبيه بالأنفلونزا يستمر لبضعة أيام. و أحيانا ما يظهر "تنظيف البيت" الذي يشار إليه أيضا باسم "أزمة الشفاء Healing Crisis " في شكل عودة مرض قديم. و لكن أزمة الشفاء تكون في المعتاد مختلفة عن النوبات السابقة لها في أنها ذات مدة أقل كثيراً، وأنها أقل حدة من النوبات الأصلية للمرض.

و إذا سُمح للالتهاب الحاد بأن يكمل مساره، فإنه سيسمح للجسم بأن يطرد الخلل الأصلي، فيعود الجسم مرة ثانية لحالة الصحة المثالية. و عندما يحدث للجسم التهاب حاد عقب مرض مزمن طويل، فتذكر أنه يجب السماح للالتهاب بإكمال مساره، فإنه سيسمح للجسم بأن يطرد الخلل الأصلي، فيعود الجسم مرة ثانية لحالة الصحة المثالية. وعندما يحدث للجسم التهاب حاد عقب مرض مزمن طويل، فتذكر أنه يجب السماح للالتهاب بإكمال مساره بدون أي تعطيل ( على سبيل المثال لا كورتيزون ولا أسبرين). و بالإضافة إلى التغذية والعلاج المائي، تُنَشط كثير من أنواع العلاج الأخرى قدرة الجسم الكامنة على الشفاء. وقد يساعد الجسم في رحلة الشفاء هذه العلاج التجانسي، والأدوية النباتية، وتقليل الإجهاد، والوخز بالإبر، والعلاجات الطبيعية. كما أن المجهود الذاتي، والتأمل، وتقديم المشورة تعالج جذور بعض الأمراض. و يحتاج اختيار أسلوب معين استخدام المهارة والحدس معاً – إذ يحتاج الممارس إلى معرفة قوية باختصاصه، وحدس ثاقب لاختيار الطريقة أو الطرق التي تمنح المريض أقصى قدر من الفائدة. و كثيراً ما أخبر المرضى بأننا سنقوم "بعمل غير كامل"، لنكتشف ما هي العلاجات التي تساعدهم لأقصى قدر ممكن.

ويعتمد رد الفعل بالطبع، و بشكل جزئي، على مهارة الممارس، وعلى قدرته على استخدام أداة علاجية معينة.

وهذا التزاوج بين المعرفة والبديهة هام جداً لتطبيق هذه المبادئ. حاول أن تعلم كل ما تستطيع عن الأساليب التي تجدها أكثر فائدة، أو التي تشعر بأنك تفضلها أكثر من غيرها. استشر الممارسين المحليين، واقرأ، وادرس، ومارس ما تتعلمه. فالمعلومات تتحول إلى معرفة حية عندما تطبق في حياتك. تعلم كيف تصغي إلى حدسك، ذلك "الذكاء الفطري" الذي يرشدك خلال تطبيق المعرفة. وتذكر أن كل شخص مختلف عن غيره وأن ما يؤثر على أحد الناس قد لا يؤثر على غيره. وكلما أصبحت أكثر معرفة بجسمك وأجسام أسرتك، فسوف تستطيع إجراء اختبارات أكثر دقة على أساس من معرفتك بالأساليب العلاجية.


  العلاجات Therapies

إن اختيار أسلوب علاجي يمكن أن يكون أكثر الأبحاث إثارة وإحباطاً، مجزياً ومحيراً لأي شخص مهتم بفنون العلاج. خذ نفساً عميقاً، واعلم أنك ستكتشف مع مرور الوقت عدة طرق علاجية، ستكون بعضها مفيدة لك، بينما ستجد بعضها الآخر مؤدياً إلى طريق مسدود، فتقرر استكشاف طرق أخرى.

ولكل طريقة علاجية دور هام تقوم به، فإن فن التعامل مع العلاجات الطبيعية يلبي حاجاتك بالذكاء الفطري الذي تستثمره في كل طريقة علاجية. فما يعطي نتائج جيدة معك قد يكون مضراً لجارك أو لزوجتك. احترم الفروق بين الناس، فما يفيد أحد الأشخاص قد لا يكون مفيداً بالضرورة لشخص آخر. و قد يستجيب جسمك لطرق مختلفة في أوقات مختلفة – استمر في الإصغاء لاحتياجات جسمك ولاحظ ردود فعله على مر الزمن.

فلكي يصبح الشخص معالجاً موهوباً في طب الطبيعة، سيحتاج ذلك مثلا إلى دراسة تستمر طول العمر. ويمكنك تجنب بعض الإحباط الناجم عن الاستثمار في كتب وعلاجات لا تعطي إلا نتائج بسيطة، وذلك عن طريق العمل مع شخص درس أسلوباً معيناً من قبل، ومن ضمن أفضل الوسائل لذلك هي انتسابك إلى أكاديمية الطب التكميلي لأخذ دورات وشهادات في الطب التكميلي وتعلم كيفية تطبيق طب الطبيعة في حياتك اليومية. وفيما يلي خلاصة للأساليب العلاجية الرئيسية التي يستخدمها أطباء طب الطبيعة، وتشمل وصفا مختصراً لأنظمة الطب الأخرى الكبرى التي تشترك مع طب الطبيعة في فلسفة واحدة.

و عندما أبدأ علاج مريض جديد، أضع في اعتباري المعالجات الممكنة بترتيب معين، على أساس ما أعرفه عن كيفية شفاء الجسم. وسيرد هذا الترتيب في قائمة العلاجات التالية. و بالإضافة إلى وقت العلاج، فقد أضفت معلومات عن كيفية، وتوقيت، التفكير في استخدام علاج معين. وآمل أن تساعدكم هذه المعلومات في أن تقرروا متى تختارون كل علاج.

العقل، والعاطفة، والروح Mind, Emotion, Spirit
إن أي كمية من العلاج الطبيعي أو الأعشاب لا يمكن لها أن تكون بديلاً يعوض عن الصحبة في حياة شخص يشعر بالوحدة. كما أن العلاج بالوخز بالإبر لا يمكن أن يعوض عن وظيفة تضني الروح، أو عن بيئة منزلية مسممة عاطفياً. ففي هذه المواقف وغيرها توفر الوسائل العلاجية في أفضل أحوالها وسيلة لمساندة الشخص إلى أن يصبح مستعداً لإجراء تغييرات في حياته تؤدي به إلى الصحة الكاملة.

إنني أتردد في وضع هذا على قمة القائمة، وذلك خشية الوقوع في تعريف "اختلال التوازن الروحي" أو "مسائل عاطفية" باعتبارها جذور كل مرض. ضع في ذهنك أن الأشخاص الذين لديهم ارتباط روحي عميق وحياة عاطفية إيجابية يمكن أن يصابوا بمرض في أجسامهم. وقد قيل لكثير من النساء اللاتي لا يحصلن على تغذية جيدة واللاتي يعملن فوق طاقتهن (ولبعض الرجال أحياناً كذلك) أن أمراضهن تكمن في عقولهن، وأنهن يجب أن يتوقفن عن الشكوى ويستمرُّن في حياتهن. ومن الواضح أن أمراضهن ليست في رؤوسهن. فإن الشفاء يشمل الجسم كما يشمل الحالة العقلية الانفعالية للمريض. و عندما يحدث المرض، فإن هناك وسيلة بسيطة لاستخدام علاج العقل والعاطفة والانفعالات والروح وهي أن تسأل نفسك الأسئلة التالية:  

  • ما الذي يحدث في حياتي الآن ؟
  • ما هي أكبر دواعي القلق وأكثر مسببات الإجهاد في حياتي الآن؟
  • هل أعمل أكثر من اللازم؟ أو أقل من اللازم؟ هل يمنحني عملي الرضا؟
  • هل نمط حياتي يتسم بالاستمرارية، أي: هل أكمل كل ما أحتاج إلى إكماله وأظل محتفظاً بصحتي؟
  • هل علاقاتي مع الناس تمنحني الدعم ؟ هل استثمر الوقت والاهتمام في العلاقات الكبرى في حياتي؟

وتطرح سيدة مسنة الأسئلة التالية:

  • هل أنا سعيدة بما أفعله
  • هل ما أفعله يزيد من الارتباك؟
  • ما الذي يجب أن أفعله لكي أتمتع بالهدوء والرضا؟
  • كيف سيتذكرني الناس بعد أن تنتهي حياتي؟

ضع في اعتبارك أن هذه الأسئلة هي بداية. والغرض منها هو التشجيع على الاستبصار، وليس تنشيط الأنظار المدمرة للذات (أي: لا تجهد نفسك إذا اكتشفت بعض المجالات الصعبة). إن الأمراض قد توفر لنا فرصة لنبطئ سيرنا ونعيد تقييم حياتنا، ولنحدد اختياراتنا بناء على أكبر أحلامنا وأعمق متعنا.

وقد تفيد هذه الأسئلة أيضاً كاختبار جيد لواقعنا. فعندما يتعرض الإنسان لشدة معينة أو لعدد من الضغوط، فمن المرجح أن يصاب الجسم بمرض. وقد ظلت إحدى مرضاي تصارع الاكتئاب لحوالي ثلاث سنوات، وقد أعطاني استعراض حياتها قبل الاكتئاب مباشرة أدلة واضحة على سبب اكتئابها: ففي خلال ستة شهور فقدت خمسة من أفراد أسرتها وصديقتين مقربتين. كما كشف تاريخها عن أنها كانت طفلة متبناة، وأن لديها نمطاً مشتركاً لدى كثير من الأطفال المتبنين – فقد انتابها شعور عميق بالهجر عندما خرج أشخاص مهمون من حياتها. ومازلت أتبع معها علاجات مساندة بالإضافة إلى تقديم المشورة، مع العلم بأن الشفاء الحقيقي قد يحتاج إلى استقصاء انفعالي عميق لعلاج تجربتها الأولى التي هي الفقد والهجر. وفي هذه الحالات لا ينفع الغذاء أو النبات في العلاج، بل يقتصر دورهم على التخفيف من حدة المرض. وقد أصبحت العلاقة بين الصراعات النفسية والأمراض البدنية علما كبيراً له أساس بيولوجي كما أثبت ذلك الدكتور الألماني "ريكي هامر"، ونحن في الأكاديمية بصدد وضع منهج خاص بهذا العلم لتدريسه وذلك نظرا لأهميته القصوى في عمليتي المرض والشفاء.

التغذية Nutrition

إن وجود جهاز هضمي سليم هو أمر أساسي لصحتنا العامة. فالجهاز الهضمي مسؤول عن امتصاص معظم المواد الغذائية، والتخلص من معظم الفضلات من الجسم. ولا يمكن الاستفادة من أفضل الأطعمة المغذية وأفضل الإضافات الغذائية استفادة كاملة إذا لم يكن الجهاز الهضمي قادراً على امتصاص المواد الغذائية والتخلص من الفضلات.

ويوجد بالجسم جهازان عصبيان يعملان في نفس الوقت، وهما الجهاز السمبثاوي والباراسمبثاوي. وهما يؤديان وظيفتهما طوال الوقت ولكن أحدهما يكون سائداً على الآخر. وعندما يكون الجهاز العصبي السمبثاوي أكثر نشاطاً، يكون الجسم في وضع " القتال أو الفرار" مستعداً لحمايتنا من الخطر. فالجسم يستجيب للإجهاد الخارجي بنفس الطريقة سواء كان " المهاجم" هو نمر جائع أو مدير غاضب. ويسري هرمون (الأدرينالين) إلى مجري الدم، فيزيد معدل ضربات القلب والتنفس. ويستجيب الجهاز الدوري بتحويل الدم من الأعضاء الداخلية إلى العضلات الطرفية استعداداً للحركة السريعة. ويبدأ الجهاز الهضمي في "الانغلاق" بتخفيض الإفرازات المعدية وحركة الأمعاء.

وكثير من الناس في عصرنا الحاضر يعيشون بصفة مستمرة ولديهم مستويات عالية من الأدرينالين، حيث يسود الجهاز العصبي السمبثاوي. و في هذه الحالة لا يصل إلى الجهاز الهضمي إلا قليل من الدم، فيبقى الطعام في القناة الهضمية لفترات طويلة من الوقت بدون كمية كافية من العصارات المعدية لهضمه. ولا تستطيع القناة الهضمية امتصاص الغذاء أو التخلص من الفضلات بطريقة سليمة.

ويسود الجهاز العصبي نظير السمبثاوي عندما نكون في حالة استرخاء، مما ينشط تجديد أنسجة الجسم وزيادة نشاط الجهاز الهضمي، وقد تكون لاحظت أن معدتك وأمعاءك تقرقر عندما تكون مسترخياً وسعيداً. وهذا القرقرة علامة طيبة تشير إلى أن الجهاز الهضمي يعمل جيداً (ويجب عدم الخلط بينهما وبين صوت هدير المعدة في حالة الجوع).

و إذا لم يكن الجهاز الهضمي يعمل جيداً، فإن أغنى الأغذية الصحية وأقوى المكملات الغذائية لا يمكن الاستفادة منها جيداً في الجسم. و بالإضافة إلى ذلك فقد لاحظ أحد المتخصصين في التغذية أن بعض الناس لديهم أغلى بول في العالم: فهم يبتلعون أقراصاً لا يمكن للجسم أن يستفيد منها لأن الجهاز الهضمي يجد صعوبة في هضمها. فالجسم يستطيع استخدام مقدار معين فقط من الفيتامينات التي تذوب في الماء في أي وقت معين، وخلال فترة قصيرة يتم التخلص من الفيتامينات غير المستخدمة مع البول إلى خارج الجسم.

إن التغذية السليمة تبدأ بتحديد أنواع الأطعمة التي قد تسبب تهيجاً للجهاز الهضمي. و توجد فحوص معملية عديدة للتعرف على أنواع الطعام المسببة للحساسية والتهيج ومن هذه الفحوص فحص يوضح أنواع الطعام التي لا يتحملها الجسم بطبيعة تكوينه – أي الأطعمة التي لا يهضمها الجسم جيداً.

وإذا تعرض الجسم بصفة متكررة لهذه الأطعمة على مدار فترة طويلة من الوقت، فستصبح القناة الهضمية في حالة إثارة. وفي النهاية تؤدي الإثارة إلى تدمير الغشاء المخاطي للأمعاء، ويحدث " تسرب في القناة الهضمية "، حيث تدخل جزيئات الطعام الأكبر حجماً إلى الدم عبر الغشاء المخاطي للقناة الهضمية. و لأن الجهاز المناعي غير معتاد على وجود تلك الجزيئات الكبيرة، فقد يفرز أجساماً مضادة لتقاوم " الغزاة الأجانب" المزعومين.

إن تجنب الأطعمة المسببة للحساسية يمكن أن يساعد في شفاء أعراض عديدة، ولكن تجنب تلك الأطعمة في حد ذاته يؤدي إلى علاج القناة الهضمية، كما أنه لن يساعد على تحديد الأطعمة الأساسية التي سببت اضطراب القناة الهضمية في المقام الأول. فالتعرف على الحساسيات التكوينية من الأطعمة هو الجزء الأول من المعادلة، لإزالة الأسباب الأساسية للتقيح في الجهاز الهضمي. و بالإضافة إلى ذلك فإن الجسم يحتاج إلى مساندة لتنشيط تجديد الغشاء المخاطي للجهاز الهضمي، والعلاج المائي الصحي هو أبسط وأقوى وسيلة لمساندة شفاء القناة الهضمية. انظر قسم "العلاج المائي" للاطلاع على تعليمات محددة عن العلاج المائي الصحي.

العلاج المائي Hydroptherapy

إن كوكب الأرض هو كوكب مائي، منحه الله -سبحانه وتعالى - كمية ضخمة من الحياة المائية ذات اللونين الأزرق والأخضر. ويشكل الماء نسبة 70 في المائة من أجسامنا. فقد غادرنا الماء الذي كان يحيط بنا داخل الأرحام وصار الماء داخل أجسامنا. و يمكن للإنسان أن يعيش لأسابيع بدون طعام، ولكنه سيهلك إذا حرم من الماء لبضعة أيام، وربما لبضع ساعات في بيئة صحراوية جافة. قال تعالى "وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون " [1] .

لقد استُخدم الماء لآلاف السنين في علاج المرضى والإصابات، وشهِد عدة طفرات في استخدامه خلال ذلك التاريخ الطويل. وقد قاد فانسنت بريسنيتز Vincent Priessnitz (1799 – 1852) أحدث حركة أوروبية لإعادة اكتشاف الخواص العلاجية في مصحته الجبلية. وكان جون هارفي كيلوج Jhon Harvey Kellogg, MD (1852 – 1943) من كبار المؤيدين للعلاج بالماء في الولايات المتحدة. وقد جمع في مصحته باتل كريك Battle Creek Sanitarium بين العلاج بالماء والتدليك والعلاج الغذائي. (ومازالت طريقته في تحويل حبوب القمح الكاملة إلى رقائق موجودة حتى الآن في صناعة الحبوب بطريقة كيلوج). وقد دون كيلوج ملاحظاته في سجلات دقيقة وأجري بحوثاً علمية في مصحته، فصارت البيانات التي جمعها أساساً لكتابه " العلاج المائي المعقول Rational Hydrotherapy " (1901)، الذي مازال هو المرجع الأساسي في هذا المجال.

وقد ورد في القرآن الكريم العلاج بالماء في سورة (ص) حيث قال المولى عزَّ وجلّ مخاطبا نبينا أيوب: " وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ" [2] والنُصب هو الضر والمرض الذي أصيب به لمدة 18 سنة، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ جَسَده مَغْرَز إِبْرَة سَلِيمًا سِوَى قَلْبه حَتَّى آلَ بِهِ الْحَال إِلَى أَنْ أُلْقِيَ عَلَى مَزْبَلَة مِنْ مَزَابِل الْبَلْدَة هَذِهِ الْمُدَّة بِكَمَالِهَا وَرَفَضَهُ الْقَرِيب وَالْبَعِيد سِوَى زَوْجَته الكريمة. فَلَمَّا طَالَ الْمَطَال وَاشْتَدَّ الْحَال وَانْتَهَى الْقَدْر وَتَمَّ الأجَل الْمُقَدَّر تَضَرَّعَ إِلَى رَبّ الْعَالَمِينَ وَإِلَه الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ " أَنِّي مَسَّنِي الضُّرّ وَأَنْتَ أَرْحَم الرَّاحِمِينَ "، فَعِنْد ذَلِكَ اِسْتَجَابَ لَهُ أَرْحَم الرَّاحِمِينَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُوم مِنْ مَقَامه وَأَنْ يَرْكُض الأرض بِرِجْلِهِ فَفَعَلَ، فَأَنْبَعَ اللَّه تَعَالَى عَيْنًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَغْتَسِل مِنْهَا فَأَذْهَبَتْ جَمِيع مَا كَانَ فِي بَدَنه مِن الأذَى ثُمَّ أَمَرَهُ فَضَرَبَ الأرض فِي مَكَان آخَر فَأَنْبَعَ لَهُ عَيْنًا أُخْرَى وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْرَب مِنْهَا فَأَذْهَبَتْ جَمِيع مَا كَانَ فِي بَاطِنه مِنْ السُّوء وَتَكَامَلَتْ الْعَافِيَة ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَلِهَذَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى " اُرْكُضْ بِرِجْلِك هَذَا مُغْتَسَل بَارِد وَشَرَاب ". والروايات كثيرة ومتعددة حول استعمال رسول الله صلى الله عليه وسلم للماء المقروء عليه في العلاج من الأمراض العضوية، والجروح والقروح، ولدغات العقارب، والعين والحسد. و في الرابطة بين الاثنين، أي الماء والدعاء، يكمن سر العلاج الشامل للروح والبدن معاً.

ويشمل العلاج المائي استخدام الماء الساخن والبارد في علاجات محددة لتنشيط جهاز المناعة، والتأثير على الدورة الدموية لمناطق معينة من الجسم. وسنوضح فيما يلي خمس أنواع من العلاج المائي يمكن استخدامها لعلاج نطاق واسع من الحالات.

تحذير عام: يجب على مرضى السكر عدم استعمال الأشياء الساخنة على مستوى القدمين. كما ينطبق ذلك على أي شخص مصاب بضعف في الدورة الدموية بالساقين. ويمكن بدلا من ذلك وضع كمّادة كبيرة (منشفة مبللة بماء دافئ) على منطقة أعلى الفخذ.

طب النباتات Botanical Medicine

إن عالم النباتات يوفر لنا عدداً كبيراً من الأدوية. وتتوفر الأدوية النباتية أو الأعشاب في عدة صور. فَكِّرْ في زراعة النباتات الطبية بنفسك، فستتعلم المزيد عن خصائصها العلاجية كما سيكون لديك مخزون متوافر من تلك الأدوية.

وفيما يلي نورد الأساليب الفنية الأساسية للتحضير وتعليمات بشأن الجرعة. ونرجو إتباع الجرعات الموصي بها للأنواع المختلفة من الأعشاب لتحقيق أقصى فائدة مع تقليل الآثار الجانبية من زيادة الجرعة.

الزيوت الأساسية (العطرية) Essential Oils
الزيوت الأساسية هي مستخلصات عشبية مركز تركيزاً شديداً. وتحتوي الأوقية من الزيت الأساسي على خلاصة عدة أرطال من مادة النبات الجافة. استخدم هذه الزيوت بحرص.

طب العلاج التجانسي Homeopathy

الهوميوباثي هي كلمة تعني "دراسة المتناظرات" وهو أحد العلوم الطبية التي تشترك مع طب الطبيعة في نفس فلسفة العلاج. فكلاهما يهدف إلى تنشيط قدرة الجسم على الشفاء لتحقيق العلاج من المرض. وقد وضع أسس العلاج التجانسي صمويل هاهنيمان Samuel Hahnemann وهو طبيب ألماني عاش في أواخر القرن الثامن عشر، ونبع هذا العلم من السنين التي قضاها هذا العالم في ترجمة النصوص الطبية، فقد كان محبطا من الممارسات الطبية في عصره، فتحول إلى ترجمة الكتب الطبية بغرض الإنفاق على أسرته كبيرة العدد، وكذلك على أمل اكتشاف، أو إعادة اكتشاف، قوانين عامة للعلاج كانت تبدو مفقودة في الممارسة الطبية المعاصرة له.

وأثناء ترجمته للكتاب "ماتيريا ميديكا Materia Medica "، لاحظ هاهنيمان شرحاً ينص على أن الكينين Quinine يعالج الملاريا بسبب خواصه القابضة ولاختبار هذا النص، تناول هاهنيمان أوقية ونصفاً أي حوالي 15 جرعة من الكينين كل صباح وكل مساء. وخلال أربعة أيام ظهرت أعراض الملاريا على جسمه الذي كان سليما من قبل. وحين توقف هاهنيمان عن تناول الكينين اختفت تلك الأعراض.

وبهذه التجربة أكد هاهنيمان "قانون المتناظرات Law of Similars "، وهو مبدأ علاجي قديم حول استخدام المثيل لعلاج مثيله. وبعبارة أخرى فإن المادة التي تحدث الأعراض في شخص سليم يمكن أن تستخدم لعلاج نفس الأعراض في شخص مريض. وبدأ هاهنيمان وبعده عدد كبير من تلاميذه سلسلة من التجارب لاختبار تأثيرات الخلاصات النباتية والمعدنية المختلفة على الأشخاص الأصحاء. وقام هاهنيمان بنفسه باختيار وتسجيل تأثيرات مواد عديدة بدقة بالغة، وتوفي سنة 1843 عن عمر يناهز الثامنة والثمانين. وأثناء السنوات التي قضاها هاهنيمان في إجراء الأبحاث، اكتشف حقيقة أساسية أخرى: كلما كان الدواء مخففا، كلما كان تأثيره أقوى. وكان هذا الاكتشاف مخالفاً للممارسات السائدة في عصره، حيث كان الأطباء يستخدمون جرعات كبيرة من الزئبق والكبريت وزيت الفحم والمركبات السامة الأخرى لإحداث تأثيرات عنيفة ومطهرة للجسم.

وتحضر أدوية الطب التجانسي بتخفيف نقطة واحدة من الصبغة الأساسية المحضرة من النبات الكامل، إما في عشر نقط من الماء (تركز X )، أو في 100 نقطة (تركز c ) من الماء. ثم يرج المزيج عدداً محدداً من المرات لزيادة قوة العلاج. وبعد ذلك توضع نقطة واحدة من المحلول بتركيز 1 إلى 10أو 1 إلى 100 في قنينة مع عشر نقط أو 100 نقطة أخرى من الماء. و تكرر هذه العملية إلى أن يصل المحلول إلى القوة أو التخفيف المطلوب.

وقد أنكر عديد من الأطباء تأثير علاجات الطب التجانسي، بدعوى أنها ذات تأثير وهمي فحسب. ولكن دراسات إكلينيكية عديدة أظهرت فعالية الطب التجانسي. كما أن الأبحاث الحديثة التي أجريت بطريقة الحجب المزدوج أثبتت أيضا فعالية علاجات الطب التجانسي بصورة مؤكدة في علاج أمراض معينة.

المعالجات الطبيعية

تشمل المعالجات الطبيعية نطاقاً واسعاً من الأساليب والمناهج العلاجية. وهنا أيضا يستجيب المرضي المختلفون لأساليب مختلفة. وتتراوح المعالجات بين المعالجة بتحريك العظام ومعالجة الأنسجة العميقة وبين الأساليب الأكثر دقة مثل علاج العمود الفقري بطريقة "بوين". وتتعامل هذه المعالجات بصفة عامة مع أمراض الجهاز العضلي العظمي، ومع ذلك فإن مهنة الكيروبراكتيك Chiropractic قد أثبتت بشكل حاسم أن هناك نطاقاً واسعاً من الحالات الداخلية الحادة والمزمنة التي تستجيب للمعالجة بتحريك العظام.

الطب الصيني

التوازن هو السمة المميزة للطب الصيني، ففي حالة الصحة تكون أجسامنا في حالة تحول دائم وتوازن رشيق. و لكن "التوازن" لا يعني بحال من الأحوال "السكون" في نموذج الطب الصيني – فالجسم السليم يتحول باستمرار ويتغير ليحافظ على حالة ديناميكية من الاستقرار. ويشير الصينيون إلى توازن الين واليانج الذي يشمل جميع الأضرار التي يمكن أن تخطر على البال، مثل النور/ الظلام، الحار/ البارد، الرطب/ الجاف، الداخلي/ الخارجي. ويفهم الصينيون أن أي تطرف في أي حالة لابد أن يؤدي إلى ما هو ضده، كالحية التي تلتف فتلدغ ذيلها. ويحتوي الرمز التقليدي للين/ اليانج على بقعة من الضوء في النصف الداكن وبقعة داكنة في النصف الفاتح، مما يشير إلى أن فهم كل حالة أو خاصية تحمل في طياتها بذرة ضدها.

ويهدف الطب الصيني التقليدي إلى التعامل مع الشخص بأكمله. و كما هو الحال عند أطباء طب الطبيعة، فإن ممارس الطب الصيني سيسأل أسئلة عن طباع الشخص ونمط حياته والأعراض العامة التي يشعر بها. وتسمح هذه المعلومات للممارس بمعرفة أنماط الصحة أو فقدان التوازن. و هذه الأنماط أو "صور مجموعات الأعراض" ترشد الممارس إلى أفضل المعالجات المساندة لمريض معين، أي المعالجات التي تساعد على استعادة توازن الجسم حتى يعود إلى حالة الصحة المثالية.

ويشمل الطب الصيني التقليدي أربع أنواع أساسية من العلاج: الوخز بالإبر، والأعشاب الصينية، و "توي نا Tui na " أي تدريب الجسم، و "كي جونج Qi gong " أي الحركة والتأمل. وقد تشمل زيارة الممارس تطبيق واحدة أو أكثر من هذه الأساليب العلاجية.

وهناك فرع آخر من الطب الصيني هو "العناصر الخمسة Five Elements " وهو يمارس حالياً في الولايات المتحدة. و يشخص الممارسون العلاقات بين التراب، والنار، والماء، والشجر، والمعادن في الجسم ويرتبط كل من هذه العناصر بالآخر في نمط معقد مترابط. و  يهدف ممارس أسلوب العناصر الخمسة إلى إعادة توازن تلك العناصر واستعادة الصحة للجسم بذلك.

ملاحظة: غالبا ما يصف الطب الصيني الحالات بأسلوب شِعري بخلاف ما يستخدم في المصطلحات الطبية الغربية. فالممارس الطبي الصيني مثلا قد يشخص أحد الأفراد بوجود "نقص في الدم". و قد لا يكون المريض مصاباً بالضرورة بعدم توازن الدم مما يظهر في تحاليل الدم (مثل الأنيميا)، ولكن قد يكون لديه نقص نوعي في خواص الدم المرطبة والمبردة مما يظهر على شكل جفاف في الجلد والشعر. كما يشير الصينيون إلى "تأثيرات خارجية خبيثة" كسبب للمرض. و                                                                                      هذه العوامل الخارجية – مثل الحرارة والبرودة والرياح والرطوبة – يمكن أن تدخل الجسم وتسبب أمراضا حادة. فالتهاب الحلق والصداع مثلاً يمكن أن يشخص على أنه غزو من الرياح والحرارة.

الوخز بالإبر Acupuncture

 يعمل الوخز بالإبر باستخدام تيارات الطاقة الخاصة بالجسم ذاته والتي يمكن قياسها كقوى كهرومغناطيسية. وهذه القوى الكهرومغناطيسية أو "نهر الطاقة River of energy " تتبع أنماطاً معروفة في الجسم. وقد رسم الممارسون الصينيون بعد قرون من الدراسة والملاحظة خرائط لتلك التيارات من الطاقة وسموها "خطوط الطاقة Meridians " التي ترتبط بأعضاء وأجهزة معينة في الجسم. ويساعد الوخز بالإبر على إعادة توجيه سريان الطاقة أو "كي Qi " في خطوط الطاقة. وتُغرس إبر رفيعة جداً في "نقاط" على الجسم لتساعد على إعادة توجيه مناطق الطاقة المتجمعة الراكدة وتنشيط "كي" للسريان إلى المناطق التي بها نقص أو فقر في التغذية وبصفة أساسية، تساعد إبر الوخز على إعادة توازن التيارات الكهرومغناطيسية في الجسم. كما أن إعادة توجيه الطاقة بالجسم عن طريق الوخز بالإبر يمكن أيضا أن يعيد التوازن العقلي والانفعالي.

الأعشاب الصينية Chinese Herbs

يعتمد طب الأعشاب الصيني على فهم عميق للأعشاب من حيث تأثيراتها باعتبارها أعشابا "بسيطة" أي منفردة، وكذلك وظيفتها عند إضافتها إلى أعشاب أخرى. بدلاً من التركيز على ما هي الأمراض التي يعالجها عشب معين، فإن الصينيين ينظرون إلى التأثيرات العامة على الجسم، فمثلا: هل العشب يدفئ الجسم؟ أو يسبب عرقاً؟ أو ينشط الهضم؟ هل يميل إلى زيادة إنتاج السوائل؟ هل يسبب جفافاً؟ كل هذه أمثلة على "مفعول" الأعشاب.

و عندما يتعرف الممارس الطبي الصيني على نمط من اختلال التوازن في الجسم، فسيمكنه تحديد الأعشاب التي تعالج الموقف بأفضل طريقة. و نادراً ما توصف الأعشاب الصينية "متفرقة"، بل توصف في مجموعات لتكوين خليط قوي التأثير. وتحتوي التركيبة على أعشاب إضافية (ثانوية) لموازنة الآثار الجانبية المحتملة للأعشاب الرئيسية في التركيبة. فعلي سبيل المثال، قد تحتوي تركيبة أعشاب لوقف الحمى على كمية صغيرة من عشب مدفئ بالإضافة للأعشاب المبردة. فالعشب المدفئ المنفرد يلطف المفعول المبرد القوي للأعشاب الأخرى، وبذلك يحمي الجسم من الدرجات القصوى من الحرارة أو البرودة. وقد تزيد أعشاب أخرى من تأثيرات أحد الأعشاب الرئيسية في التركيبة. وتهدف الخلطات العشبية دائما إلى استعادة التوازن أو الاتزان الفسيولوجي.

توي نا Tui Na

إن الطريقة الصينية للعلاج بتحريك الجسم، التي تعرف باسم "توي نا" هي أسلوب علاجي شديد التنوع. فقد يستخدم المعالج الخبير في "توي نا" كل من تدليك الأنسجة العميقة والمعالجة باليد وتطويل العضلات والعلاج بخطوط الطاقة في جلسة علاجية واحدة. ويعالج الممارسون الموهوبون في "توي نا" تشكيلة واسعة من حالات الجهاز العظمي العضلي.

كي جونج Qi Gong

يطبق هذا الفرع من الطب الصيني حكمة "الطاقات البارعة" للجسم مقترنة مع طاقة الحياة الشاملة. ويستخدم المعالجون الخبراء في "كي جونج" فهم نظام خطوط الطاقة في الجسم، فيعلمون تلاميذهم كيفية تقوية هذه التيارات من الطاقة عن طريق الممارسات اليومية للحركة والتأمل.

طب اليوروفيدا Ayurvedic Medicine

يعتبر بعض مؤرخي الطب أن طب اليوروفيدا هو أساس الطب الصيني. ويؤكدون أن الحكمة العلاجية الهندية انتقلت أولا إلى نيبال والتبت ثم انتقلت تدريجيا إلى الصين وكذلك إلى اليابان في نهاية المطاف.

ويتعامل طب اليوروفيدا مثل الطب الصيني، مع التوازن في الجسم. فبدلا من التركيز على خمس عناصر، فإن طب اليوروفيدا يركز على ثلاثة عناصر: النار (بيتا Pitta )، التراب (كافا Kapha )، والهواء (فاتا Vatta ). ويشمل تشخيص اليوروفيدا تقييم طبيعة جسم المريض طبقا للعنصر السائدة من بين تلك العناصر أو "الدوشات Doshas ". وفي الواقع، تتناوب "الدوشات" باستمرار في الجسم محدثة توازناً ديناميكياً من لحظة إلى أخرى. ويصف ممارس طب اليوروفيدا العلاج طبقاً لطبيعة جسم المريض. وبالإضافة إلى ذلك، فقد يضيف علاجات لتصحح اختلال التوازن الحاد.

وقد يشمل برنامج كامل من العلاج بطب اليوروفيدا نظاماً غذائياً، وتمارين رياضية، والأعشاب والتأمل، وتمارين التنفس وعلاجاً طبيعياً. ويشمل العلاج الطبيعي نطاقاً واسعاً من المعالجات،منها التدليك والعلاج بالصوت واللون وأساليب إزالة السموم من الجسم.

الطب الفطري Indigenous Medicine

يراقبون الحيوانات المريضة ليعرفوا كيف تعالج نفسها. ومن خلال الأحلام يهتدون إلى نباتات جديدة. تمتلك الثقافات الفطرية المرتبطة بالأرض في أنحاء العالم معرفة عميقة عن العلاج. وقد وصف أحد معلمي تشيبوا Chippewa (أشنابي Ashnabe ) الأصناف الثلاثة من المعالجين في بيئته: الذين يعالجون بأيديهم، والذين يعالجون بالأعشاب، والذين يعالجون بعقولهم عن طريق التعليم. وكان سبيله هو الأسلوب الثالث، ومع أنه كان على معرفة ممتازة بالأعشاب. و عندما حضرت إليه امرأة تطلب معلومات بشأن نبات معين وخواصه العلاجية، نظر إليها نظرة ثاقبة وقال "أنت بشر مثلي، فلماذا لا تسألين النبات ذاته؟".

ويفترض كثير من العلماء الغربيين أن الشعوب الفطرية توصلت إلى أساليبها العلاجية عن طريق التجربة والخطأ. و في الواقع فإن معظم الثقافات الفطرية تستخدم صورة راقية من العلم الاستقصائي. فهم يعرفون النباتات والحيوانات الموجودة في محيطهم كما يعرفون أبناءهم. وهم وفي لحظات الهدوء، يأتيهم الإلهام لاستخدام علاجات تحتوي على المعادن والماء والهواء والنار. وقد توصل معظم الشعوب الفطرية إلى إجادة فن "الإنصات العميق " وهو إخماد صوت ثرثرة العقل إلى الحد الكافي ليفسح المجال للأصوات الهادئة العميقة لسكان الأرض.

وقد أسفرت هذه القدرة على الإنصات العميق عن إيجاد معالجين وأساليب علاجية يعجز التفسير العلمي عن فهمها أحياناً.

فعلي سبيل المثال، يعرف المعالجون الفطريون أن النبات يحدث تأثيراً أقوى حينما يتضرع المرء ويستعين بالقوة الروحية. فإن إلقاء النعناع في إبريق الشاي دون اهتمام وإعداد شاي عقب الغذاء ليس له تأثير قوي مثل زراعة النبات بمهارة وجمعه بحمد الله وشكره، والاستعانة بالخصائص العلاجية لخالق هذا النبات. فهذا الموقف المتسم بالمهابة يجلب ردة فعل مختلفة وصدى عميقاً وفرصة أكبر للشفاء. فإن علاقة المرء مع أحد النباتات أو أحد العناصر تؤثر تأثيراً كبيراً على قوته العلاجية ومن هنا يبرز لنا جليا مفهوم التوكل على الله الذي يعني أن لا يثق المسلم في شيء إلا في خالقة ويعلم أنه إذا أراد شيئا إنما يقول له كن فيكون، ويعلم أيضا أنه لا تواكل فهو يعلم أن الضر والنفع بيد الله ولكن الله جل جلاله قد أمر العبد المسلم بالتماس الأسباب التي تعينه على أمور الدنيا ولكنه في نفس الوقت يعلم أنه سبب في ذاته لا يضر ولا ينفع ومن هنا نفهم أن المسلم حينما يصيبه المرض يجب أن يذهب إلى الطبيب ويأخذ الدواء الموصوف له ولكنه ينظر إلى الطبيب والدواء معا على أنهما أسباب وعلي الله الشفاء . وليس لدى التكنولوجيا الغربية وسيلة لقياس أو تبرير مثل تلك الفروق النوعية في إعطاء أحد طرق العلاج المزمنة في المعدة والتهاب الجيوب الأنفية والبرد والسعال.

ويوجد لدى الثقافات الفطرية فهم عميق "للعلاقة الصحيحة" مع جميع أشكال الكائنات الحية. وتبدأ العلاقة الصحيحة بين الفرد والخالق، وتتشكل في دوائر متسعة إلى الخارج لتشمل أسرة الشخص ومجتمعه والعالم. ويشمل " المجتمع" جميع المخلوقات فيه، كما أن الارتباط السليم مع ذلك المجتمع يشمل أيضاً الأجيال القادمة.

وتقوم معظم المجتمعات الفطرية بتقوية ذلك النسيج الذي يشمل الخالق والنفس والمجتمع والعالم، عن طريق " الشعائر". فكل ثقافة فطرية تضع لنفسها دور للشعائر تعكس علاقتها مع الأرض ومع الفصول. وإذا اضطر أحد الشعوب إلى الهجرة بسبب الغزو أو المجاعة، فإنهم يحتفظون بجوهر ثقافتهم من خلال إتباع دورة الشعائر في موطنهم الجديد. وهناك شعائر معينة في كل جزء من العالم. فنباتات الصبار تنمو جيداً في الصحراء ولكنها لا تنمو في الغابات المطيرة، وبالمثل فإن شعائر مناطق الغابات الشرقية قد لا تكون مقبولة بالضرورة في قرى الهنود الحمر في المناطق الجنوبية الغربية، رغم أن تلك الشعوب الفطرية تشترك في مفاهيم روحية متوافقة.

ويمكن أن تكون الشعائر أداة قوية للشفاء، تشجع الناس على إعادة التواصل مع أنفسهم ومجتمعاتهم. وتعتبر الشعائر علامات مميزة للتحولات في حياة الفرد وكذلك لعجلة دوران الفصول المتعاقبة. ويمكن للصلاة والشعائر أن تحدث شفاءً عميقاً. فمن خلال الشعائر نعمق جذورنا في المكان والزمان بالخالق سبحانه وتعالي ، مما يمكننا من توسيع دائرة وجودنا لنلتقي مع دائرة الحياة الواسعة.

[1] الأنبياء (30)
[2] ص (41-42)

 

 
 
Bookmark and Share